ببالغ الحزن والأسى، وبقلوب مثقلة بمرارة الفقد، نودّع اليوم ثريا بوعبيد، الرفيقة والمناضلة الحقوقية التي جعلت من حياتها مساراً ممتداً للدفاع عن الإنسان، وعن حريته وكرامته وحقه في التعبير والاختلاف.
لم تكن ثريا مجرد ناشطة في مجال حقوق الإنسان، بل كانت من الأصوات التي حملت همّ الحرية في زمن كانت فيه حرية التعبير وحرية معتقلي الرأي قضيةً حقوقية وإنسانية تستحق النضال المتواصل. وقفت إلى جانب ضحايا الانتهاكات، وانحازت بلا تردد إلى حق الإنسان في أن يفكر ويعبّر ويختلف دون أن يكون ذلك سبباً في التضييق عليه أو سلب حريته.
وإذا كان نضالها الحقوقي قد اتخذ أشكالا متعددة، فإن إسهامها في ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان يظل واحداً من أبرز ما ستحتفظ به الذاكرة الحقوقية. فقد أدركت مبكراً أن حماية الحقوق لا تتحقق بالقوانين والمؤسسات وحدها، وإنما ببناء وعيٍ حقوقي راسخ لدى الأجيال الجديدة. ومن هنا كان انخراطها العميق في التربية على حقوق الإنسان، حيث جعلت من موقعها كمنسقة برنامج التربية على حقوق الانسان، بفرع أمنيستي المغرب، جسرا للتواصل مع الشباب وفضاءً أساسياً لعملها، مؤمنة بأن تكوين جيل يعرف حقوقه ويدرك مسؤولياته، ويؤمن بالحرية والكرامة والمساواة، هو أحد أهم شروط بناء مجتمع ديمقراطي.
كما تركت بصمة رائدة في تكوين أطر وفاعلات وفاعلي المجتمع المدني، من خلال التكوينات الفكرية والحقوقية التي أسهمت في تطوير معارفهم وأدواتهم في مجال حماية حقوق الإنسان والنهوض بثقافتها. لم تكن تقدم المعرفة باعتبارها معلومات تُحفظ، بل باعتبارها وعياً يتحول إلى ممارسة، وموقفاً، وقدرة على الدفاع عن الحقوق وصونها.
أكثر من خمسة وعشرين عاماً من العطاء جعلت من بوعبيد واحدة من الوجوه التي يصعب اختزال حضورها في منصب أو مهمة. فقد كانت مدرسة في الالتزام، وفي الإيمان بقضايا الإنسان، وفي تحويل المعرفة الحقوقية إلى قوة اقتراح وفعل ومرافعة.
وحتى وهي تواجه المرض، ظلت وفية لما آمنت به. لم تتراجع، ولم تطفئ قسوة الألم جذوة انتمائها لقضايا الحرية والعدالة وحقوق الإنسان. وبرحيلها، تفقد الحركة الحقوقية المغربية امرأةً تركت أثراً عميقاً في أجيال من الشباب والحقوقيين والفاعلين المدنيين، وبرحيلها ستفقد أسرتها وأصدقاؤها ورفاقها إنسانة استثنائية جمعت بين صلابة المناضلة ودفء الإنسان.
ثريا، قد يتوقف الجسد عن مواصلة الطريق، لكن الرسالة التي حملتها لا تتوقف.
ستظلين حاضرة في قلب كل شاب تعلّم أن حقوقه ليست منّة، وفي كل مدافع عن حرية التعبير، وفي كل صوت يرفض الظلم، وفي كل إطار مدني حمل من تكويناتك ما يساعده على حماية الحقوق والنهوض بها.
رحلتِ عن عالمنا، لكنك تركتِ وراءك ما هو أبقى من الحضور: تركتِ وعيا، ورفاقاً وأجيالاً وقيما، ورسالة ستواصل الحياة.
رحم الله ثريا بوعبيد رحمة واسعة، وأسكنها فسيح جناته، وألهم أهلها ورفاقها وابنائها وزوجها جميل الصبر والسلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
