توقيع: خولة العلوي المدغري
بالأمس، وأنا أستمع إلى أحد الشباب، لم أشعر أنني أمام «حالة معزولة»، بقدر ما كنت أستمع إلى صوت جيل كامل.
كان يتحدث ببساطة، لكن بكثير من الصدق. قال إنه يريد أن يعمل هنا لسنتين، ثم يرحل.
لم يكن يحلم بالسفر حبًا في الغربة، ولا بحثًا عن مغامرة أو حياة مختلفة، بل كان يتحدث عن الرحيل كأنه مخرج من شعور داخلي بعدم الجدوى؛ شعور بأن الجهد لا يُكافأ، وأن الطريق إلى المستقبل يبدو أوضح في مكان آخر.
لم أتحمل كلامه.
وجدتني أفكر، للحظة، لو كنت مكان أمه، كيف كنت سأشعر وأنا أسمع ابني يقول إن حلمه ليس أن يبني مستقبله هنا، بل أن يجد فرصة للرحيل؟
ذلك المساء، لم أفكر فقط في هذا الشاب، بل في السؤال الأكبر: كيف وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها الرحيل بالنسبة إلى بعض شبابنا مشروعًا، بينما أصبح البقاء هو الخيار الذي يحتاج إلى تبرير؟
هنا علينا أن نكون صريحين.
القرب من الشباب لا يعني فقط أن نستمع إليهم، بل أن نفكر معهم، ومن أجلهم، في حلول حقيقية. لا يكفي أن نطلب منهم الصبر، أو أن نلومهم على أحلامهم، أو أن نحمل مواقع التواصل الاجتماعي والإنترنت مسؤولية كل ما تغير في سلوكهم وانتظاراتهم.
أنا أيضًا كنت شابة.
وأنا أيضًا كنت أريد أن أُسمع، لا أن أكون مجرد رقم داخل مدرج يضم أكثر من ألف طالب. ربما كان ذلك جزءًا من تجربتي، وربما ساهم في تشكيل شخصيتي، لكن الزمن تغير، والجامعة تغيرت، وسوق العمل تغير، والأهم أن طموحات وانتظارات الشباب تغيرت.
شباب اليوم لا يريدون فقط وظيفة كيفما كانت.
إنهم يريدون معنى لما يفعلون، ويريدون أن يشعروا بأن كفاءتهم يمكن أن تقودهم إلى مكان ما، وأن الجهد يمكن أن يفتح لهم بابًا، وأن النجاح ليس امتيازًا محفوظًا لمن يملك العلاقات، بل نتيجة طبيعية للعمل والكفاءة.
لم يعد النجاح، بالنسبة إلى كثير منهم، مجرد راتب آخر الشهر.
النجاح هو أن تعمل فيما تحب، وأن تعيش بكرامة من شغفك، وأن ترى أمامك مسارًا مهنيًا واضحًا يمكن أن تتطور داخله.
لهذا، ربما لا نحتاج اليوم إلى تشخيص جديد لأزمة الشباب بقدر ما نحتاج إلى نتائج واضحة نريد الوصول إليها:
شباب يمتلك مهارات حقيقية، وليس فقط شواهد.
فرص عمل مرتبطة بالكفاءة، بعيدًا عن الزبونية والمحسوبية.
مسارات مهنية واضحة وقابلة للتطور.
تكوين مستمر يواكب التحولات السريعة في سوق العمل.
إحساس بالكرامة والانتماء، وبأن المستقبل يمكن أن يُبنى هنا.
لكن كيف نصل إلى ذلك؟
أولًا: التحرك الآن
الإصلاح لم يعد يحتمل التأجيل.
كل سنة تمر دون معالجة جدية لمشكلات التعليم والتكوين والتشغيل هي سنة إضافية قد يفقد فيها شاب آخر ثقته في المستقبل.
ولا يتعلق الأمر فقط بإحداث مناصب شغل، بل ببناء منظومة تجعل الانتقال من المدرسة إلى الجامعة، ومن الجامعة إلى سوق العمل، أكثر وضوحًا وإنصافًا.
ثانيًا: المسؤولية مشتركة
الدولة، مطالبة بوضع سياسات تعليم وتكوين مرتبطة بحاجيات الاقتصاد وسوق العمل، وبخلق بيئة تسمح للشباب بالمبادرة والابتكار بدل أن تجعلهم أسرى الانتظار.
المقاولة، مطالبة بفتح المجال أمام تدريب حقيقي ومنتج، يمنح الشاب خبرة فعلية، وليس مجرد تجربة شكلية تضاف إلى سيرته الذاتية.
المدرسة والجامعة، مطالبتان بأكثر من التلقين النظري. نحن بحاجة إلى توجيه حقيقي، وإلى اكتشاف مبكر للمواهب والميول والقدرات، وربط المعرفة بالحياة والمهنة.
المجتمع، بدوره مطالب بتغيير نظرته إلى بعض المهن، وإعادة الاعتبار إلى العمل اليدوي والتقني والحرفي. ليس كل نجاح يحتاج إلى مكتب وشهادة جامعية، وليس كل عمل تقني أقل قيمة من عمل إداري.
أما نحن جميعًا، فعلينا أن نتعلم كيف ننتقد دون أن نهدم، وكيف نختلف دون أن نحبط، وكيف نستمع دون أن نحاضر على الشباب.
وكما يقال: “قل خيرًا أو اصمت”
.ثالثًا: دعوا الشباب يشاركون في الحل
لا يمكن أن نبني مستقبل الشباب من دون الشباب أنفسهم.
نحتاج إلى أن نسمعهم لا في الندوات الرسمية فقط، ولا في المناسبات، ولا حين نريد أرقامًا وإحصاءات، بل في صناعة السياسات التي تخص حياتهم ومستقبلهم.
ماذا يريدون من المدرسة؟
ماذا يريدون من الجامعة؟
ما الذي يمنعهم من دخول سوق العمل؟
لماذا يفكر بعضهم في الرحيل؟
وما الذي يمكن أن يجعلهم يغيرون قرارهم؟
هذه الأسئلة ينبغي ألا تُطرح علينا نحن الكبار فقط، بل ينبغي أن يكون الشباب جزءًا أساسيًا من الإجابة عنها.
لأن الاستمرار في المسار نفسه له ثمن.
إذا استمرت الكفاءات في الرحيل، واستمر شباب آخرون في فقدان الأمل، فقد نجد أنفسنا أمام مفارقة مؤلمة: بلد يحتاج إلى الكفاءات واليد العاملة، لكنه لا يستطيع الاحتفاظ بجزء من شبابه، في الوقت الذي يضطر فيه إلى استقطاب كفاءات وعمال من الخارج.
وهذه المفارقة بدأت تطرح نفسها بالفعل.
لكن الأهم من كل ذلك هو أن الأمل ليس خطابًا..
لا يمكن أن نعيد الثقة والأمل إلى شاب بكلمة جميلة، ولا بحملة تواصلية، ولا بشعار انتخابي.
الأمل يُبنى عندما يرى الشاب أن الشهادة يمكن أن تقوده إلى فرصة، وأن الكفاءة يمكن أن تفتح له بابًا، وأن الاجتهاد لا يضيع، وأن القانون يحمي حقه، وأن المؤسسات تسمعه، وأن النجاح ممكن من دون واسطة، وأن الوطن لا يطالبه فقط بما يستطيع أن يقدم له، بل يقدم له أيضًا ما يجعله قادرًا على العطاء.
الاستثمار في الشباب ليس مجرد واجب أخلاقي.
إنه خيار استراتيجي.
فنحن حين نستثمر في شبابنا، لا نبني مستقبلهم فقط. نحن نبني مستشفياتنا ومدارسنا وطرقنا وملاعب القرب ومؤسساتنا، ونحمي نظامنا الاجتماعي والتقاعدي، ونقوي اقتصادنا، ونحافظ في النهاية على استقرار مجتمعنا.
والأهم أننا نبني علاقة ثقة جديدة بين المواطن والوطن.
ساعدوا شبابنا.
استمعوا إليهم.
لا تخافوا من أسئلتهم الصعبة، ولا من غضبهم، ولا من احتجاجاتهم ولا من أحلامهم.
ابنوا معهم، لا بدلًا منهم.
لا تقلقوا، سيردون ذلك يومًا.
لكن هذه المرة، ليس بالكلام.
سيردونه بالعمل، وبالعطاء، وباختيار وطنهم والافتخار به..
انصتوا للشباب… قبل أن يصبح الرحيل حلمهم. وابنوا معهم وطنًا لا يعيشون فيه اضطرارًا، بل يختارونه، طواعيةً وحبًا، أن يكون وطنهم ومستقبلهم.
