انضموا لنا سيسعدنا تواجدكم معنا

انضمام
اصواتهن

أسطورة_المهاجر..سوق الإعتراف الاجتماعي

بقلم: ميمونة الحاج داهي

هذه المرة، لم تكن الصورة تشبه كل الصور التي اعتدناها.

لم يكن المشهد لشباب يركضون نحو الموج مدفوعين بحماسة العمر أو بتهور اللحظة. رأينا أبا يحمل أبناءه إلى البحر، وأما تضم رضيعها إلى صدرها، وسيدة متقدمة في السن تسير خلف ابنها الشاب، وكأن عائلة كاملة قررت أن تضع مصيرها في حضن الموج.

عند هذه اللحظة أدركت أن الحديث عن “الهجرة السرية” لم يعد كافيا. فما رأيناه ليس قرارا فرديا، بل ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتوقف أمامها بهدوء، بعيدا عن الأحكام الجاهزة.

لطالما قيل إن الناس يهاجرون بحثا عن الخبز. لكن هل يكفي هذا التفسير اليوم؟

قبل ثلاثة أو أربعة عقود، ربما كان الجواب نعم. كانت المسافة بين المغرب وأوروبا شاسعة في كل شيء؛ في الاقتصاد، وفرص العمل، والخدمات، ومستوى العيش. كان الرحيل، بالنسبة إلى كثيرين، انتقالا واضحا من واقع ضيق إلى أفق أوسع.

أما اليوم، فقد تغيرت أشياء كثيرة.

المغرب ليس بلا مشكلات، ولا يزال آلاف الشباب يصطدمون بالبطالة، وبصعوبة الارتقاء الاجتماعي، وبإحساس مؤلم بأن الجهد لا يكافأ دائما كما ينبغي. لكن المغرب أيضا لم يعد ذلك البلد الذي عرفه جيل الثمانينيات. تغير اقتصاده، وتطورت بنيته التحتية، وظهرت قطاعات وفرص لم تكن موجودة من قبل.

وفي الجهة الأخرى، لم تعد أوروبا هي الفردوس الذي استقر في الذاكرة الجماعية. هي أيضا تعيش أزمات سكن، وغلاء معيشة، وضغطا على سوق العمل، وتصاعدا في الخطابات الرافضة للهجرة.

فلماذا ما زال البحر ممتلئا بالحالمين؟

أخشى أن يكون الجواب أبعد من الاقتصاد.

فكثير ممن ينجحون في الوصول إلى أوروبا يبدأون حياتهم هناك في أعمال شاقة؛ في البناء، أو الفلاحة، أو المطاعم، أو التنظيف، أو رعاية المسنين. وهي أعمال شريفة، لكنها ليست غريبة عن سوق العمل في المغرب.

إذن، ما الذي يتغير؟

الذي يتغير، في أحيان كثيرة، ليس العمل… بل نظرتنا إليه.

في مجتمعنا، قد لا ينال العامل البسيط كثيرا من التقدير، أما إذا مارس العمل نفسه في أوروبا، فإنه يعود في نظر الناس رجلا “نجح”. لا أحد يسأله عن سنوات الغربة، أو عن الغرفة الضيقة التي عاش فيها، أو عن اثنتي عشرة ساعة قضاها كل يوم في العمل، أو عن الأعياد التي مرت بعيدا عن والديه، أو عن جنازة لم يستطع حضورها.

كل ما يراه الناس سيارة تحمل لوحة أوروبية، ولهجة اختلطت ببعض الكلمات الأجنبية، وصورة صنعناها نحن قبل أن يصنعها هو…

ربما لا يهاجر بعض الناس بحثا عن مهنة مختلفة، بل بحثا عن اعتراف مختلف.

لقد تحول، من حيث لا نشعر، عنوان الإقامة إلى معيار للنجاح، حتى بدا وكأن الإنسان يكبر في أعين الناس بمجرد أن يبتعد عن وطنه.

ولا يعني ذلك أن الهجرة خطأ، أو أن كل من هاجر كان مخطئا. فالهجرة حق إنساني، وكثير من المغاربة في الخارج بنوا مسارات علمية ومهنية نفتخر بها جميعا.

لكن هناك فرقا بين هجرة يختارها الإنسان وهو يحمل علما أو مشروعا أو فرصة واضحة، وبين أن يصبح البحر نفسه مشروعا للحياة.

حين يحمل أب أبناءه إلى الأمواج، أو تحتضن أم رضيعها وهي تعبر نحو المجهول، فإن القضية لم تعد قضية حدود، بل قضية وعي جماعي. لأن أسوأ ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع هو أن يتحول اليأس إلى ميراث، وأن تكبر الأجيال وهي تؤمن بأن الطريق إلى المستقبل يبدأ من مغادرة الوطن، لا من محاولة تغييره.

إن معركة المغرب ليست فقط في خلق فرص الشغل، رغم أن ذلك ضرورة لا نقاش فيها، بل في استعادة ثقة الشباب بأن الجهد داخل الوطن يمكن أن يصنع مستقبلا، وبأن الكرامة ليست جواز سفر، ولا لوحة ترقيم أجنبية، ولا صورة تُلتقط في عطلة الصيف.

بعد مشاهد سبتة، لا أستطيع أن أكون ضد المهاجر، لأنني لا أعرف حجم ما يحمله في قلبه من خوف أو خيبة. لكنني أجد نفسي ضد أن تتحول الهجرة غير النظامية إلى ثقافة، وضد أن يصبح البحر مكتبا للتشغيل، وأن تتحول الأمواج إلى طريق تعبره العائلات بحثا عن اعتراف عجزنا، نحن، عن منحه لها داخل وطنها.

فالوطن ليس فقط بما يوفره من وظائف، بل أيضا بما يغرسه في نفوس أبنائه من يقين بأن البقاء فيه ليس هزيمة، وأن الرحيل عنه ليس دائما انتصارا.

وربما لهذا، فإن السؤال الذي يجب أن يشغلنا ليس: كم شخصا عبر البحر؟

بل: كيف وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها بعض الآباء يثقون في الموج أكثر مما يثقون في اليابسة؟..

اظهر المزيد

عزيزة حلاق

مديرة مجلة بسمة نسائية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

تم اكتشاف Adblock المرجو وضع مجلة بسمة في القائمة البيضاء نحن نعول على ايرادات الاعلانات لاستمرارية سير المجلة. شكرا