عزيزة_حلاق.. تكتب لتبقى

بقلم: نعيمة لمسفر

إذا كان غابرييل غارسيا ماركيز قد “عاش ليروي” تجربةً إنسانية وأدبية استثنائية، فإن الإعلامية عزيزة حلاق “تكتب لتبقى”. والكتابة عندها ليست ترفًا ولا هواية عابرة، بل ضرورة وجودية، وهواءً تتنفسه. لذلك، وجدت فيها امتدادًا طبيعيًا لرسالتها.. فكتبت هذه “الهمسات” الجريئة التي لا تقرّب القارئ من مسيرتها المهنية فحسب، بل تفتح له نافذة على رحلة إنسانية عميقة، أفرغت فيها مشاعرها الصادقة تجاه مختلف فئات المجتمع التي التقتها خلال سنوات عملها.. فكان أن نقلت هذه التجربة الفردية إلى الهم الجماعي، ومن الحدث العابر الذي كان مجرد موضوع مقال في صحيفة، إلى سؤال وجودي يخص الإنسان أينما كان.

إنها سبع همسات… بل سبعة أبواب مشرعة على أسئلة “المعنى والحياة”.. يتجاور فيها الأمل والوجع، الحب والفقد، الانكسار والرجاء. صرخات هادئة لا تكتفي بوصف الواقع، بل تمنحه بعدًا تأمليًا يجعل القارئ يعيد النظر في نفسه، وفي علاقته بالعالم، وبالآخرين، وبالزمن الذي يعيش فيه… همسات تنحاز دائما إلى الإنسان أيًا كان موقعه أو انكساره..

تكتب عزيزة حلاق عن اختياراتها في الحياة بجرأة وثقة وإحساس عالٍ بالمسؤولية، فيما تحضر العلاقات الإنسانية بقوة بوصفها الخيط الناظم لكل النصوص. فمقالاتها ليست مجرد مقالات صحفية، بل قصص واقعية نابضة بالحياة، تضاهي في بنائها وكثافتها الروايات القصيرة، لكنها تتجاوزها إلى أبعاد فلسفية واجتماعية وإنسانية… فتجعل من الحكي مساحة للتأمل في الحياة، وفي ذلك الشغف الذي يدفع الإنسان إلى الكتابة والتذكر والتوثيق.

هذه المقالات هي صوت يرفض الاختباء، ويصر على الجهر بما تشعر به كل امرأة، بل كل إنسان. إنها الصوت الداخلي الكامن في كل واحد منا، ذلك الصوت الذي يضعنا أمام مرآة ذواتنا، ويواجهنا بأسئلتنا الكبرى وبحقائقنا، سواء كانت موجعة أو مريحة. فالمهم أنها حقيقتنا.. الحقيقة التي كثيرًا ما تكون أبلغ وأعمق من الخيال الذي تصنعه الروايات، حقيقة الإنسان في الفرح كما في المأساة.

تكتب عزيزة، كما تقول، عن تفاصيل الحياة اليومية والاجتماعية التي تبدو عابرة، لكنها تكشف في العمق عن تحولات كبرى يعيشها الواقع المغربي. تكتب عن الهجرة السرية التي تحولت إلى جرح مفتوح في جسد الوطن.. وتكتب عن أولئك الذين دفعوا ثمن الجرأة على كسر الصمت وفضح الفساد، فخسروا حريتهم أو مصدر رزقهم.

كما تكتب عن نساء المغرب العميق اللواتي، رغم انتمائهن إلى أوساط محافظة، خرجن من دائرة الصمت حين لم يعد الصبر ممكنًا، وعن الطفلات والقاصرات ضحايا الاعتداء والاستغلال، وعن العنف، وتفكك الأسرة، وانهيار منظومة القيم، وكل ما يجعل الإنسان أكثر هشاشة في زمن مضطرب. كما تكتب عن جيل جديد يعي ما يفعل..

وتكتب… وتكتب…

عن الجمال.. وعن البساطة كما عن تعقيدات الحياة.. عن القيم التي تحفظ الإنسان، وعن عثرات الزمن التي تكشف هشاشته. وفي كل نص، لا تكتفي بسرد الوقائع، بل تمنحها روحًا ومعنى، لتغدو الكتابة فعلًا للمقاومة، وذاكرةً تحفظ ما قد يطويه النسيان، وشهادةً على زمن يستحق أن يُروى.

هنيئا لك عزيزة حلاق، الإعلامية القديرة، بهذا المنجز.. فقد جعلت من الذاكرة مسؤولية ومن الكلمة موقفا.

Exit mobile version