الكتابة من جرح السؤال: تأملات في شعرية الهشاشة في “نزيف الاستفهام”

بقلم: حسن الوزان

تعيد الشاعرة بشرى طالبي في ديوانها “نزيف الاستفهام” إلى اللغة خطورتها الأولى :أن تكون جرحًا يُفكّر، وإقامة دائمة في قلق السؤال. تبدو القصائد كجسد لغوي ينزف.. وهنا تحديدًا تكمن فرادته؛ إذ تكتب الشاعرة لا لتُجيب، بل لتُبقي السؤال حيًّا، مفتوحًا، ومُقلقًا، كنافذة لا تُغلق على يقين.

منذ العتبة الأولى، ندرك أننا أمام كتابة تُراهن على تحويل التجربة الوجدانية إلى تجربة معرفية؛ فالحب، في هذا العمل، اختبار وجودي، قوة تهدم وتُعيد تركيب الذات. إنه حبٌّ يُدخل الكائن في متاهة الأسئلة التي لا تُفضي إلى خلاص، بل إلى مزيد من التورّط في الوعي. يقول الشاعر عبد العزيز كوكاس في تقديم هذا الديوان الصادر عن منشورات النورس في حلة أنيقة: “يبدو ديوان “نزيف الاستفهام” مثل ملفٌّ ناقص في قضيّةٍ لم تُغلق. ثمّة قلبٌ استُدعي مرارًا للإدلاء بشهادته، لكنه كلّما تكلّم ازدادت التهمة غموضًا.

لا أحد في هذه القصائد بريء. ولا أحد مذنب أيضا.

اللغة نفسها تبدو كأنها تحت الاستجواب، تتلعثم، تُخفي، وتترك في كل جملة ثغرةً يعبر منها

الشكّ. الأسئلة تُطرح كإجراءٍ ضروري لتسريع الحكم. والحكم… يُؤجَّل دائمًا.

في هذه الصفحات، يبرز الغياب كنظام. والذاكرة هي ما يفشل في أن يختفي.

كلّ قصيدة محضرٌ غير رسمي، وكلّ سطر إشارةٌ إلى شيءٍ لم يعد ممكنًا إثباته.

“ديوان نزيف الاستفهام” لبشرى طالبي هو الأثر المتبقّي بعد أن تُستنفد كلّ التفسيرات، ولا

يبقى سوى ذلك الشعور الخافت بأن شيئًا ما كان ينبغي فهمه… ولم يحدث، والسبب هو

الغياب الذي يطرح أكثر من علامة استفهام”.

والغياب ليس فراغًا، بل حضورٌ مضاعف. حضورٌ يتكثف في التفاصيل الصغيرة: كرسيٍّ خالٍ، كوبٍ بارد، بابٍ نصف مفتوح. تتحول الأشياء الهامشية إلى شواهد على فداحة الفقد، وتغدو الذاكرة سلطةً خفية تُدير المشهد من الخلف، بلا رحمة ولا نسيان.

تُحسن بشرى طالبي توظيف لغة تجمع بين جزالةٍ تراثية وشفافية حداثية، فتكتب بجملة مشحونة بالإيقاع الداخلي، وبصورة تتكئ على المجاز دون أن تنفصل عن التجربة. إننا أمام كتابة تعرف كيف تُوازن بين الاعتراف والانزياح؛ بين أن تقول وأن تترك القول مفتوحًا على احتمالاته.

كما يلفت الانتباه حضور البعد المسرحي في عدد من النصوص، حيث تتحول القصيدة إلى فضاء للمواجهة: مواجهة مع الآخر، مع الذات، ومع اللغة نفسها. القارئ هنا ليس متلقيًا سلبيًا، بل شريك في “المرافعة”، شاهدٌ يُستدعى ليُدلي بصمته، أو ليُدان بما يشعر به.

يشتغل الديوان على تفكيك الثنائية الكلاسيكية بين الحضور والغياب، الحب والفقد، اليقين والشك، ليُعيد تركيبها في منطقة رمادية، هي الأكثر صدقًا والأشد التباسًا. تلك المنطقة التي لا تُقدّم أجوبة، بل تُعرّي الأسئلة.

Exit mobile version