فاطمة ياسين: “أكتب لأبقى” أكثر من كتاب… إنه شهادة على العصر

في لقاء “صالون الربوة الثقافي”، الذي انعقد يوم 27 يونيو 2026، قدمت الشاعرة والأديبة فاطمة ياسين مشكورة، قراءة وافية في كتابي “أكتب لأبقى”. وقد جاءت قراءتها شاملة وعميقة، لامست مختلف مستويات الكتاب، من عتباته النصية إلى قضاياه الفكرية والإنسانية، مرورًا ببنيته وأسلوبه ولغته، مقدمة رؤية نقدية ثرية أبرزت أبعاد هذا العمل وخصوصيته.

ونظرًا لغنى هذه القراءة وطولها، ارتأينا نشر نسخة مختصرة منها، حاولت الحفاظ على أهم أفكارها ومحاورها الأساسية، حتى تظل في متناول القارئ، دون أن تفقد روحها أو عمقها، مع الاحتفاظ بالنص الكامل بوصفه وثيقة نقدية قيّمة واكبت صدور الكتاب.

قراءة في كتاب “أكتب لأبقى” للإعلامية والكاتبة عزيزة حلاق

هذه ليست قراءة نقدية بالمعنى الأكاديمي، بل هي قراءة انطباعية تنطلق من متعة النص ومن أثره في القارئ. فكتاب “أكتب لأبقى” للإعلامية والكاتبة المغربية عزيزة حلاق، الصادر في مارس 2026 عن منشورات النورس، ليس مجرد تجميع لمقالات صحفية، بل عمل يجمع بين التأمل الذاتي والشهادة على العصر، ويحوّل التجربة الشخصية إلى سؤال إنساني مفتوح.

يقع الكتاب في 243 صفحة، ويضم 77 نصاً موزعة على سبع “همسات”، وهو تصنيف يعكس طبيعة الكتاب الهادئة في الشكل، والعميقة في المضمون. ويمكن اعتباره أقرب إلى السيرة الفكرية والتأملية منه إلى السيرة الذاتية التقليدية، لأن الكاتبة لا تروي حياتها بوصفها غاية في ذاتها، وإنما تجعلها مدخلاً لقراءة المجتمع، وتحولاته السياسية، والثقافية والإنسانية.

كما يمكن النظر إلى الكتاب بوصفه شهادة على زمن مضطرب، ووثيقة ترصد تحولات المغرب والعالم خلال العقود الأخيرة. فالذات هنا لا تنفصل عن محيطها، بل تتقاطع مع قضايا المرأة، والعدالة، والحرية، والذاكرة، والحروب، والإعلام، والهوية، في كتابة تنطلق من الخاص لتصل إلى الإنساني المشترك.

ويكشف عنوان الكتاب، “أكتب لأبقى”، عن جوهر المشروع كله. فالكتابة ليست مجرد فعل للتعبير، وإنما هي مقاومة للنسيان، وسعي إلى ترك أثر يتجاوز العمر البيولوجي للإنسان. أما العنوان الفرعي، “مقالات في المعنى والحياة”، فيؤكد أن القارئ أمام نصوص تبحث عن المعنى وسط عالم تتسارع فيه الأحداث وتختلط فيه القيم.

ويعزز الغلاف هذه الرؤية من خلال لوحة تشكيلية للفنانة سعاد بياض، تجسد امرأة تتطلع إلى الأعلى بذراعين مفتوحتين، في صورة تختزل التوتر بين ثقل التجربة الإنسانية وإرادة الانبعاث عبر الكلمة والأمل. كما ينسجم الإهداء والنص المؤطر على ظهر الغلاف مع هذه الفكرة، إذ يؤكدان أن الكتابة أثر يبقى، وأن الإنسان يقاس بما يتركه من بصمة لا بما يملكه.

يتوزع الكتاب على سبع همسات، لكل واحدة منها عالمها الخاص. ففي “بصيغة أنا” تعود الكاتبة إلى محطات من حياتها الشخصية والمهنية، من الطفولة إلى الصحافة، ومن المرض إلى فقدان الأحبة، في نصوص تمتزج فيها الذاكرة بالتأمل، ويصبح الألم مصدراً للحكمة، والتجربة وسيلة لفهم الذات والعالم.

أما “وشائج الحياة والمعنى” فتناقش قضايا المجتمع المغربي، من التعليم والصحة والعدالة المجالية إلى الكوارث الطبيعية والفساد وتراجع القيم، في مقالات تربط بين الحدث اليومي والأسئلة الكبرى المتعلقة بمستقبل المجتمع.

وفي “حين يتكلم النبض” تقترب الكاتبة أكثر من نبض الشارع، فترصد قضايا الهجرة، والعنف، وغلاء المعيشة، والجرائم، وانهيار المنظومة القيمية، مستحضرة نماذج إنسانية تجعل الأرقام والوقائع تتحول إلى قصص تنبض بالألم والكرامة.

وتفتح “عين على العالم” نافذة على القضايا الدولية، وفي مقدمتها الحرب على غزة، والحروب المعاصرة، وأزمات الديمقراطية، وانتهاكات حقوق الإنسان. غير أن الكاتبة لا تستسلم لمنطق اليأس، بل تلتقط أيضاً مواقف إنسانية مضيئة تؤكد أن الضمير ما يزال قادراً على مقاومة العنف والكراهية.

وفي “جيل Z… صوت التغيير” تقدم قراءة لافتة للشباب المغربي، بعيداً عن الصور النمطية التي تصفه باللامبالاة. فهي ترى في هذا الجيل طاقة احتجاج وأسئلة جديدة حول العدالة الاجتماعية والكرامة والمواطنة، مع التوقف عند فئة الشباب خارج منظومة التعليم والتكوين والشغل، وما تمثله من تحديات مستقبلية.

أما “الصحافة على حافة الترند” فتستند إلى تجربة مهنية امتدت أكثر من ثلاثة عقود، لتناقش التحولات التي عرفتها الممارسة الصحفية في زمن المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي وهيمنة “الترند”. وتطرح الكاتبة أسئلة مهنية وأخلاقية حول الحقيقة، وحدود الخبر، والعلاقة بين الصحافي وصانع المحتوى، في زمن أصبحت فيه المعلومة سريعة، لكن الحقيقة أكثر صعوبة.

وتختتم الكتاب بـ “مدن تسكنني”، حيث تتحول المدن إلى كائنات حية تحمل ذاكرة وتجارب وأحاسيس، من إدنبرة وروما وفيينا وفينيسيا إلى غوري وفلسطين، في نصوص تمتزج فيها الرحلة بالتأمل الثقافي والإنساني.

وعلى المستوى الفني، تتميز لغة الكتاب بالوضوح والسلاسة، دون أن تفقد عمقها الفكري. وتعتمد الكاتبة جملاً مكثفة، وتميل إلى المفارقة والسخرية الهادئة، كما توظف الأسطورة والحكاية والمثل والإحالات الأدبية والثقافية لإغناء الدلالة، دون تكلف أو استعراض.

إن القيمة الأساسية لهذا الكتاب تكمن في أنه لا يكتفي بتسجيل الأحداث، بل يسائلها أخلاقياً وإنسانياً. فالكتابة عند عزيزة حلاق ليست وصفاً للواقع، بل موقف منه، وهي دعوة إلى مقاومة النسيان، والدفاع عن الكرامة الإنسانية، والإيمان بأن الكلمة الصادقة قادرة على أن تترك أثراً يتجاوز صاحبها.

ولهذا يبدو “أكتب لأبقى” أكثر من مجموعة مقالات؛ إنه شهادة على مرحلة من تاريخ المغرب والعالم، وسيرة فكرية وإنسانية تؤمن بأن البقاء الحقيقي لا يتحقق إلا بما يتركه الإنسان من أثر في الذاكرة والوجدان.

Exit mobile version