من صالون الربوة… نكتب لنبقى، وليمتد الأثر

حديث بسمة/ عزيزة حلاق


هناك أيام لا يمرّ بها الزمن كما يمرّ بغيرها، بل يتوقف قليلًا، كأنه يريد أن يترك بصمته على القلب. أيام لا تُقاس بالساعات، وإنما بما تزرعه في الروح من نور، وما تتركه في الذاكرة من دفء لا يخبو.

وكان يوم السبت 27 من يونيو الجاري واحدًا من تلك الأيام.

خرجت من صالون الربوة الثقافي، ولم أكن أحمل كتابي فقط، بل كنت أحمل محبةً واسعةً التفّت حولي حتى شعرت أنني أغنى إنسانة في تلك اللحظة. محبة لا تُوزن، ولا تُشترى، ولا تُصنع… بل تُهدى لمن منحه الله نعمة أن يلامس قلوب الآخرين بكلمة صادقة.

لم يكن الاحتفاء بكتاب “أكتب لأبقى” احتفاءً بإصدار جديد، بل بدا لي وكأنه احتفاء برحلة كاملة؛ رحلة بدأت منذ سنوات، ومرت بمحطات من التعب والخذلان والأمل والعمل، قبل أن تصل إلى تلك الأمسية التي جعلتني أرى كل ذلك من زاوية مختلفة.

قبل أشهر قليلة فقط، لم أكن أتخيل أنني سأقف أمام هذا الجمع الكريم. كنت أعيش تجربة صحية صعبة، جعلت أحلامي تنكمش إلى أبسط الأشياء: أن أمشي بلا ألم، وأن أجلس دون وجع، وأن أستعيد قدرتي على الكتابة التي كانت دائمًا نافذتي إلى الحياة.

في تلك العزلة، تعلمت درسًا لن أنساه ما حييت: أن الحياة تخبئ أحيانًا أجمل عطاياها داخل أكثر محطاتها قسوة. فالمرض، الذي ظننته يومًا توقفًا، منحني زمنًا لم أكن أملكه وسط انشغالات العمل الصحفي وضجيج الحياة. زمنًا أصغي فيه إلى نفسي، وأعود إلى مقالات ونصوص كتبتها عبر سنوات طويلة، لأكتشف أنها لم تكن نصوصًا متفرقة كما كنت أظن، بل كانت فصولًا متتابعة من سيرة إنسانية واحدة، سيرة امرأة كانت تكتب، في الحقيقة، لتقاوم النسيان، ولتمنح للحياة معنى.

وهكذا وُلد أكتب لأبقى.

ولذلك، حين جلست بين سيدات الربوة، لم أشعر أنني أقدم كتابًا، بقدر ما شعرت أنني أفتح صفحات من حياتي، وأضعها بكل ما فيها من صدق أمام قارئات يعرفن قيمة الكلمة، ويؤمنّ بأن النص الحقيقي لا يكتمل حين يكتبه صاحبه، بل حين يجد من يقرؤه بقلبه.

أكثر ما أثر في نفسي، لم يكن الثناء، على شكله أو مضمونه، بل تلك القراءات العميقة التي تجاوزت ظاهر النصوص إلى ما يسكن بينها من مشاعر وأسئلة وتجارب. كان كل تدخل يفتح أمامي بابًا جديدًا لقراءة كتابي من جديد، وكأن كل واحدة من الحاضرات أهدتني نسخة أخرى من الكتاب، مكتوبة بإحساسها ورؤيتها الخاصة.

وأدركت، في تلك اللحظة، أن الكاتب لا يمتلك نصه بعد نشره؛ إنه يصبح ملكًا لقرائه، يضيف كل واحد منهم إليه شيئًا من نفسه، فيولد الكتاب مرات متعددة، بعدد العيون التي تقرؤه والقلوب التي تستقبله.

وكان لوجود صديقات جئن من مدن مختلفة ليشاركنني هذه اللحظة طعم آخر. لقد قطعن المسافات، لكنهن في الحقيقة اختصرنها بالمحبة. شعرت أن الصداقة، حين تكون صادقة، لا تحتاج إلى مواعيد كثيرة، ولا إلى لقاءات متكررة؛ يكفي موقف واحد حتى تختصر سنوات كاملة من الوفاء.

وكان حضور الكاتبة العزيزة زهرة رشاد من أجمل مفاجآت الأمسية، رغم غيابها الجسدي. فقد حالت ظروفها الصحية دون أن تكون بيننا، لكنها أرسلت صوتها، فجاء محمّلًا بالمودة والصدق، حتى خُيّل إلينا أنها تجلس معنا..

وامتناني الكبير للأستاذة خديجة شاكر، التي جعلت من بيتها فضاءً حقيقيًا للثقافة، ومن صالون الربوة الثقافي مكانًا تلتقي فيه الأرواح قبل الكلمات، كما أتوجه بالشكر لكل سيدات الربوة اللواتي يبرهنّ، في كل لقاء، أن الثقافة ليست ترفًا، بل فعل محبة، وأن القراءة ليست عادة، بل أسلوب حياة.

عدت إلى بيتي في تلك الليلة، وأنا أشعر أنني لم أعد الشخص نفسه الذي دخل القاعة قبل ساعات.

عدت أكثر يقينًا بأن الكلمة الصادقة لا تموت، وأنها تجد طريقها، ولو بعد حين، إلى القلوب التي تشبهها.

وربما لهذا سيظل يوم 27 من يونيو يومًا سأحتفظ به في القلب قبل الذاكرة.

ليس لأنه شهد توقيع كتاب، بل لأنه ذكّرني بسبب الكتابة نفسها.

فنحن لا نكتب بحثًا عن التصفيق، ولا طمعًا في شهرة عابرة، ولا رغبةً في أن تتردد أسماؤنا. نكتب لأن الحياة أقصر من أن نعيشها مرة واحدة، ولأن الكلمة تمنحنا عمرًا آخر، وتفتح لنا طريقًا لنظل حاضرين في ذاكرة من أحبونا، وفي وجدان كل من يقرأنا.

لهذا اخترت أن يكون عنوان كتابي “أكتب لأبقى“.

واليوم، بعد تلك الأمسية التي غمرتني بكل هذا الحب، أدركت أن البقاء الحقيقي لا تصنعه الكتب وحدها، بل تصنعه المحبة التي تتركها في قلوب الناس.

وتلك… أجمل إقامة يمكن أن يحظى بها إنسان.

ومن أجمل ما أسعدني أيضا، في تلك الأمسية، أن عنوان الكتاب لم يبق عنوانًا يخصني وحدي. شعرت أن الحاضرات احتضنَّ عبارة “أكتب لأبقى”، ورأت كل واحدة منهن شيئًا من ذاتها فيها. لم يعد العنوان عنوان كتاب، بل صار دعوة مفتوحة إلى الكتابة، وإلى ترك الأثر، وإلى مقاومة النسيان بالكلمة.

ولعل أجمل ما سمعته ذلك المساء، أن أكثر من سيدة قالت بعفوية صادقة: “سنكتب لنبقى.” عندها أدركت أن الكتاب حقق أولى غاياته؛ أن يُوقظ الرغبة في الكتابة، وأن يجعل الكلمة مشروعًا للحياة، لا مجرد هواية أو ترف ثقافي.

فليس هناك أجمل من كتاب يخرج من يد صاحبه، ليبدأ حياة جديدة في قلوب الآخرين.

 

Exit mobile version