الإفريقي وأوشن وسميرة مغداد ينعون نبيل لحلو: فارس المسرح الذي رحل متعبًا

حديث بسمة: عزيزة حلاق

قليلة هي الأقلام التي كتبت عن الفنان المسرحي نبيل لحلو بما يليق بتجربته، وأنصفته في حياته، وهو الفنان المتمرد والمتفرد الذي ظل، طوال مساره الفني الطويل، وفياً لقناعاته ورؤيته الخاصة للفن ولأبي الفنون، المسرح.
اليوم، ونحن نستفيق على خبر رحيله المفاجئ والموجع، يغصّ الفضاء الأزرق بكلمات النعي والحزن، وتتهاطل شهادات صحفيين وإعلاميين وفنانين عايشوه عن قرب، واكتشفوا فيه ذلك الفنان المختلف الذي لم يشبه أحداً. ونعوه بما يليق بمكانة فنان اختار أن يبقى مختلفاً حتى النهاية..
الإعلامية فاطمة الإفريقي كتبت على حائطها في الفيسبوك تدوينة مؤثرة جاء فيها:

“صباح حزين..
صوت فني شجاع يرحل في هدوء..
عرضه الأخير “نبيل لحلو يحكي نبيل لحلو” لم يكن فقط سيرة حياة عبثية، بل بدا كطقس اعتراف بهزيمة جيل، وخطبة وداع على عجل..
الله يرحمك العزيز نبيل لحلو،
والله يصبر رفيقة دربك النبيلة صوفيا هادي.”
ومن جهته، كتب الصحفي عمر أوشن، الذي حضر هو الآخر العرض الأخير للراحل :

“كانت مسرحية يودع بها العالم..
كان شعوري أن نبيل لحلو قد تعب..
قال لي عند باب المسرح قبل العرض: المسرحية طويلة وتعبت أمس..
كان يريد أن يحكي كل شيء، من يومه الأول في فاس، ومن حلم أمه به، إلى أول عمل مسرحي قدمه وهو تلميذ، ثم رحلته الطويلة مع المسرح، وصولاً إلى الشيخوخة والكرسي المتحرك والعكاز والتعب من عالم قاسٍ وغير عادل..
كانت بحق سيرته الذاتية ومسرحية الوداع من أولها إلى آخرها..
قال لنا فيها: باي باي.. مع السلامة..
تعبت.. تعبت ولا شيء يتغير في هذا العالم..
رحمك الله الفنان الكبير.”
أما الصحفية سميرة مغداد فكتبت:

“نزل خبر وفاة المخرج نبيل لحلو كالصاعقة..
تذكرت أنني كتبت عنه مقالاً صغيراً قبل مدة بعد حضوري مسرحية “محاكمة سقراط”، وكيف تفاعل مع ما كتبت بفرح عارم هو وزوجته الجميلة صوفيا، ولم يتوانَ عن الشكر في كل مرة..
رحمة الله عليه، مسرحي وفنان مثقف بحضور قوي..
الله يصبر رفيقة دربه على هذا الفراق، ويلهم ذويه الصبر والسلوان.”
وقد أعادت سميرة نشر الورقة التي سبق أن كتبتها عنه، والتي تلقاها الراحل بكل اعتزاز، ونشرتها حينها على موقع “مساء اليوم”. ونحن بدورنا نعيد نشرها على صفحات موقع “بسمة نسائية”، وفاءً لروحه الأبية، واعترافاً بمكانته كواحد من أكثر رواد المسرح المغربي فرادة وجرأة واختلافاً.
مسرح وفي لذاته وجمهوره: نبيل لحلو وصوفيا.. زوجان أخلصا في الحب والخشبة
بقلم: سميرة مغداد
يعتبر نبيل لحلو من رواد المخرجين والكتاب المسرحيين.. رجل متفرد في أفكاره والتعاطي معها بكثير من الجرأة والشفافية، لايخشى لومة لائم في التعبير عن مواقفه وآرائه. مسرحياته مزيج من الغبن والسخط والغضب والادانة لواقع مر ينخره الفساد والزبونية والمحسوبية.
لقد تحدث نبيل الممثل والمخرج في تداخل درامي يتقنه هو وحده بكلام جهنمي قاس من خلال عرضه مؤخرا لمسرحية “محاكمة سقراط “على خشبة مسرح محمد الخامس بالرباط. تحدث بها وبلسانه هو كاتب المسرحية، ونخبة من ممثلين شباب قدمهم لأول مرة، على رأسهم الفنان نصر ميكري، ليعبروا على أحلام موؤودة وقلوب مقهورة سئمت من الشعور بالإحباط والهم والغم، كل هذا في قالب من السخرية السوداء أحيانا، والمرح التشخيصي.
نبيل لم يغير أسلوبه ولم يتوان في مسرحياته على إدانة شاملة لما يحبل به المجتمع من تناقضات وإقصاء لقيم مغربية حقيقية بفعل الخذلان الذي أصيب به الكثيرون في جل مناحي الحياة.
لقد حاكم نبيل في مسرحيته سقراط وحاول أن يدين، من خلاله، عددا من الظواهر مافتئت تسري كالنار في الهشيم، مثل الرشوة والتحرش الجنسي وقلة المروءة والابتذال في مجال الفن ومظاهر الاستبداد بالسلطة والدين التي تعيشها كثير من مجتمعاتنا.
كان نبيل متألقا منسجما مع نفسه وشخوصه، ورغم فعل الزمن، لازالت كاريزما الممثل المسرحي ترافقه وتعلن عن شخصية فذة مفعمة بالحب لأبي الفنون.
نبيل من أعلى الخشبة يصدح بالحق وسط جمهور قليل لكنه متميز، يحاول التقاط رسائل تدعو للحب والعدالة الاجتماعية وإنصاف المقهور.
لا يحيد نبيل عن طريقته في التعبير بكل فداحة، إن صح التعبير، عن واقع صعب ومريض. قد لا يشبه نبيل سوى نفسه حيث يصر على أن يخلص لمبادئه الأولى في الفن ويغرد خارج السرب أمام جمهور مختار ينصت له بإمعان.
نبيل يشكل وشكل دائما، مع زوجته الممثلة الفذة صوفيا، ثنائيا استثنائيا في الحياة والمسرح. هما معا نموذج لن يتكرر لزوجين تواطآ معا باسم الحب ولا شيء غير الحب.
يبقى نبيل من طينة الكبار التي لا تتكرر.. من طينة الطيب الصديقي والطيب لعلج والدكالي والراشدي.. وأسماء كبرى أسست لمغرب أصيل، وكذلك صوفيا التي كانت دائما جنب نبيل في السراء والضراء، وأبانت على قدرات فريدة على ركح المسرح والحياة بلغتها الفرنسية الراقية، بل حتى بالعربية الفصحى والدارجة. إنها امرأة مذهلة تشبه نفسها الأبية دون روتوشات، وكذلك نبيل.. رجل الزمن الجميل الذي بقي وفيا لأسلوب الخاص جدا.


رحل نبيل لحلو، لكن وجعه من التهميش ظل حاضرًا في كلمات من عرفوه عن قرب، كما في هذه التدوينة المؤثرة للكاتب والصحفي إدريس كسيكس، التي لم تكن مجرد نعي، بل شهادة وفاء لفنان عاش حرًا، ومات وفي قلبه حسرة على خشبة أحبها أكثر مما أحبته الحياة.
نعى إدريس كسيكس خاله، الفنان المسرحي الراحل نبيل لحلو، بكلمات اختزلت الكثير من ملامح هذا الفنان المتفرّد، الذي ظل وفيًا لجنونه الجميل وحريته التي لا تقبل المساومة.
وكتب كسيكس:
الفنان المتفرّد. خالي. نبيل لحلو أول من ألهمني.
سأحتفظ منه بذكرى جنونه الجميل، وحريته التي لا تقبل المساومة، وسخريته، وإصراره، وخياله الجامح، وصرامته، وغضبه في وجه الظلم.
سيأسف كثيرون لرحيله بعد وفاته، لكن ليس بقدر ما كان هو يتألم من لامبالاتهم به وهو حي، فوق الخشبة.
فليرقد بسلام.



