
بقلم: جمال المحافظ


“أَساوِرُ عائِشَة”، عنوان الكتاب الجديد للشاعر والكاتب مراد القادري رئيس بيت الشعر بالمغرب الذي يفتح فيه باب أسراره في ” كنّاشات” كل من العائلة، الشّعر والصّداقة، على الرغم من اعترافه، بأن ذلك بمثابة ” مغامرة وجدانية، فهي تضعك أمام امتحان الوفاء والصدق معا” كما يكشف بنفسه في ” كلمة الكاتب” التي يتضمنها إصداره الذي يدشن أسلوبا مغايرا في كتابة جنس السيرة، ويفتح أفقا جديدا في مجال صيانة الذاكرة.
مراد القادري الفاعل المدني، وكأنه اختار في مستهل ” كنانيشه”، “عن سبق إصرار وترصد”، أن يتقمص دور الصحافي المهني الذي ينشغل بطرح الأسئلة الجيدة، أكثر من رغبة في تلمس والقبض على الأجوبة، وذلك ما يتجلى في قوله، كيف تكتب عمن شاركك الحلم، دون أن تنحاز؟ وكيف تحفظ للمسافة موضوعيتها، دون أن تخون حرارة القرب؟ وكيف توازن بين القلب والقلم، بين الذاكرة والوعي، بين العاطفة والتأمل؟.
أثر لا يمحى
لكن بدون مواربة وبصدق، يعود مراد القادري، ليقدم جوابه – بعمق ووضوح- على الأسئلة التي طرحها آنفا، فيصرح في مؤلفه الذي أهداه الى صديقه الفاعل الحقوقي والمدني عبد الرزاق الحنوشي، أحد مؤسسي ” حلقة الوفاء لذاكرة محمد الحيحي”، بالقول: ” يأتي هذا الكتاب، ليكون قطعة مني، حرصت فيه على استعادة وجوها أحببتها، وجوه تسكن الذاكرة، كما تسكن الروح، بعضها من كناش العائلة، وأخرى من كناش الشعراء أو الأصدقاء. وجميعهم عبروا دربي، وتركوا فيه أثرا لا يمحى، فصار حضورهم جزءا من حكايتي الشخصية قبل أن يكونوا جزءا من المشهد الحياتي والثقافي”.
لكن يستدرك في ذات السياق على أن ” هذا الكتاب ليس تجميعا لسير أو شهادات عابرة، اقتضت مناسبات ثقافية أو شعرية أن أكتبها أو أنشرها تحية لأصحابها، بل هو شهادة عرفان لرفقة آمنت بالكلمة، ووقفت إلى جانب الحلم، وتقاسمت معي أسئلة الحياة ومعانيها، الأمر جعل الكتابة عنها ليست فعل حنين، بل فعل مسؤولية توثيق الأثر، وحفظ الذاكرة، والاعتراف بالجميل في زمن تتسارع فيه الخطى وتبهت فيه التفاصيل.
قصائد أنيقة
ما لا أنساه، وربما ما لا ينساه أصدقاءُ الشّاعر مراد القادري، حين نفكّر فيه أحيانا أو دائما، هو صوتُه وهو يقرأ قصائدَه الأنيقة بالعاميّة المغربية. صوتُ الطفل الذي كانَه، الصوتُ المقطّع الذي يفرضُ علينا صمتًا أعلى، كي تُحلّق الكلمات والجُملُ الناعمة، وتتطاير الصّور والمشاهد والاستعارات الشّبيهة بالفراشات، كما دبج الشاعر والكاتب حسن نجمي في تقديم الكتاب. كما زاد إن مراد القادري” صوتُ شاعرٍ مغربي مُتجذّر في التربة الأولى، في النّشيد الشّعبي، في الذاكرة التي تُشرق فيها شمسٌ أولى، وتتألّقُ مدينة أولى بأسوارها وأمكنتها الرّوحية والرمزية، وبأهلها الرّاسخين في الوطنية، في التاريخ وفي تجربة الحياة”.
أساور بكتاب
وفي معرض تطرقه لمضامين الكتاب الواقع في 220 صفحة من الحجم المتوسط، يثير حسن نجمي رئيس اتحاد كتاب المغرب الأسبق، الانتباه إلى أننا، ” سنعرف الكثير عن شخصية ومسار المؤلف من خلال شهاداته عن عدد من أصدقائه وأساتذته الأقرب إلى قلبه وفكره، وبالخصوص عن عائلته الكبرى، وأسرته الصغيرة، حيث يعرف القراء لأول مرة، ربما، أنه لولا عائشة التي باعت أساور زفافها لما ظهر الكتاب الشعري الأول لمراد القادري الموسوم ب” حروف الكف”.
وهكذا نقرأ في كتاب مراد القادري في ” كناش العائلة”، النصوص التالية، كما وردت في الكتاب: ” صديقي الأول: الطفل الذي كنته”، “أحمد القادري الوالد والولد” ، ” حروف الكف، ياسمين، وأساور عائشة”وأبوبكر القادري: العم، في حين يحضر في” كناش الشعراء” كلا من ” محمد الأشعري وقصيدتي”، “أحمد فؤاد نجم..سلاما “، ” الطيب لعلج: ألف الشعر المغربي العامي”، و” محمد الميموني: الطائر المغرد”.
كما يتضمن “الكناش” “ادريس الملياني: توقير الشاعر”، “حسن نجمي: متعهد خربشاتي الشعرية الأول”، ” أحمد بركات: الشاعر الذي هزم الزلزال”، ” عبد اللطيف بنيحى: بروميثيوس الشعر والإعلام”، ” رشيد نيني: شاعر من جيلي”، و”عبد الحق رحمون: سليل المدينة الزرقاء”.
حب واعتراف
أما في ” كناش الأصدقاء”، فهناك حضور لكل من ” ثريا جبران: قصيدتنا الأولى”، ” محمد النجار: رفيق الدرب” و” فرانسيسكو غارسيا: صديقي الشريشي”، ” عبد المجيد فنيش: تلويحة الصباح الأولى”، ” عبد المقصود الراشيدي: حامل الشعلة”، ” عبد العزيز السبيل: مهندس المشترك”، ” محمد الحيحي: ملتقى تقاطع الأجيال”، ” أمينة أوشلح: اقتفاء خطوات الجد” و”عبد الرحيم العطاوي: صديق بوشكين”.
وفي ذات ” كناش الأصدقاء” اختار مراد القادري الكاتب العام السابق لكل من جمعية الشعلة للتربية والثقافة، واتحاد المنظمات المغربية التربوية، الحكي عن العلاقات التي نسجها مع ” جمال المحافظ: حفريات في الصداقة”، ” الحسين طلال: سيرك ملون”، ” السي محمد بلفقيه: صديقي في غرفة العزل”، “البشير شرف: السكن الفني في الما بين”، ” إبراهيم بنحمو: صديقي في الساحة الحمراء”، “محمد المدلاوي: يوميات بلسان الأم” و” منير الرحموني: بوصلة الشباب نحو الحلم”.
من بين مؤلفات مراد القادري الحاصل على الدكتوراه في الأدب عن أطروحة تقدم بها بعنوان ” جمالية الكتابة في القصيدة الزجليّة المغربية الحديثة، الممارسة النّصيّة عند الشّاعر أحمد لمسيّح” (2013 )، “حروفْ الكف”، (1995)، ” غْزيّل البنات”، (2005)، “طيرْ الله ” (2007)، “طرامْوايْ”، (2015)، “ومْخبّي تحت لساني ريحة الموت”، (2021).