صحة ومتعة

مخاطر الشاشات الالكترونية على الأطفال

لا بد أن ينتبه إليها الآباء..

عفة سماح ( أخصائية في تقويم النطق و الكلام)

 

لقد أصبحت هذه الإشكالية، محورا تعددت الدراسات و التحقيقات حوله، وانطلاقا من تجربتي المهنية، لاحظت تزايد الحالات التي يصاب فيها الأطفال باضطرابات على مستوى النطق و الكلام والتعثر في التعلم ، واكتشفت من خلال حصص الأسئلة والتواصل التي أجريها مع أولياء أمرهم في هذا الشأن، أنهم تعودوا عرض أطفالهم أمام شاشة التلفاز ، معتقدين أنهم بسلوكهم هذا سيجلبون النفع و المتعة لفلذات أكبادهم في حين أن هذا المسلك يمكن أن تكون له عواقب وخيمة على صحتهم ونموهم.

كيف ذلك؟ و ما هي الفئة العمرية الأكثر تضررا؟ و ماذا عن باقي الفئات العمرية الأخرى، على اعتبار أن كلمة ” طفل ” قد تمتد الى غاية سن الثامنة عشرة؟ و هل يمكن تصحيح جوانب القصور الذي يعتري هذه الوضعية ؟

بالنسبة  لنقطة التساؤل الأولى المتعلقة بالفئة العمرية الأكثر تضرر:

الجواب هو أن معظم الدراسات و البحوث التي تناولت هذا الموضوع – التي تمكنت من الاضطلاع عليها – في إطار تصنيف المسار العمري للطفل تقسمه، الى صنفين رئيسيين هما ما قبل سن الثالثة وما بعدها . و العلة في ذلك أن المرحلة العمرية للطفل منذ ولادته الى حدود الثالثة هي المرحلة الأساس والأكثر هشاشة في حياته، حيث يحاول خلالها جاهدا استخدام حواسه الخمس بغية التفاعل المباشر مع المحيط الخارجي الذي يكتنفه ويحتوي بدنه وباقي الأجسام و الأشياء القريبة منه، كالأشخاص من أفراد عائلته كالوالدين والاخوة الذين تجمعه معهم روابط عاطفية و الذين يتواصل معهم باستمرار، عن طريق تدليله ودغدغته و تقبيله ومخاطبته بكلمات رقيقة و طروبة. وأيضا الألعاب المتوفرة لديه التي يتفاعل معها عن طريق لمسها باليد و الفم وسماع الأصوات التي تحدثها، والتمعن فيها وفي أشكالها وألوانها. وهذا التفاعل المباشر بمعزل عن الشاشات الالكترونية وفي مقدمتها التلفاز، يحدث شيئا فشيئا عند الطفل شعورا بانتمائه لمحيطه الخارجي، و يخبو معه الشعور بالغربة عن العالم المحسوس. و كذا يساعد على سير نموه الطبيعي بالشكل المطلوب.

و أسوأ ما يمكن أن يحدث للطفل وهو في هذه المرحلة العمرية هو وضعه أمام الشاشات الالكترونية وعلى رأسها التلفاز.

                    ما هي تجليات هذا الضرر؟

من نافلة الأقوال ” التعلم في الصغر كالنقش على الحجر” هذه القولة تنطبق على الأطفال في مراحل عمرهم الأولى (دون السن الثالثة) بحيث تكون ذاكرتهم كالحجرة الملساء ينقش عليها كل ما يتلقونه.

و هنا لا بد من الإشارة أن تعرض الطفل بصفة متكررة لشاشة التلفاز أو الشاشات الالكترونية الأخرى، ومشاهدة سيل من الصور بمختلف الألوان والأصوات، من شأنه أن يحمل حواسه فوق ما تحتمل. و تحوله الى متلقي مستلب و مشدوه ملتزم للصمت و شارد عن العالم الذي يحيط به. وبحكم عامل العادة و التعود يتحول الوضع إلى إدمان وإلى ارتباط بهذه الأشياء ولو أن طبيعتها جمادا لا إنسانا، و كل محاولة صرف الطفل عنها يقابله صراخ وبكاء. وأخطر ما في الأمر أن هذا الوضع غير المرغوب فيه له تبعات و نتائج سلبية على النمو السليم للطفل تتجلى في بطء التعلم و النطق، واضطراب في النوم، والتركيز، والانتباه، والسلوك، و التفوق الدراسي….

وماذا عن الفئة العمرية ما بعد سن الثالثة ؟

ابتداء من هذه السن يكون الطفل السليم النمو قد رسم – إلى حد ما – مجال تموضعه و انتمائه لمحيطه الخارجي. غير أن الآباء يجب أن يكونوا على وعي تام بأن مهمة الوقاية والمراقبة من قبلهم تستمر إزاء أطفالهم، حيث يسمح للأطفال بمشاهدة التلفاز وغيره من الأجهزة ذات الشاشات، بصفة تدريجية حسب مراحل حياتهم، مع مراعاة بعض التدابير من بينها :

– تحديد زمن المشاهدة اليومية، و يحبذ أن يكون قصيرا.

– التأكد من ملائمة البرامج المختارة للمشاهدة لسن الطفل.

– مرافقة الطفل خلال المشاهدة، وملاحظة تفاعلاته.

– خلق جو من التفاعل خلال المشاهدة لتجنب الانصهار الكلي للطفل مع التلفاز، بمعزل عن مرافقه في المشاهدة… الخ

وذلك حتى تقوم للآباء القناعة بأن هذه الأجهزة ليس الهدف من مشاهدتها مجرد إلهاء أطفالهم وحراستهم وصرفهم عنهم وقت انشغالهم، و إنما جعلها أدوات تثقيفية و تربوية، تساهم في تنمية قدراتهم الذهنية و الفكرية، وتحقيق نموهم الطبيعي على أسس سليمة.

 هل من سبيل لتصحيح جوانب القصور الذي يكتنف هذه الوضعية المقلقة ؟

انطلاقا من شعار ” لا شاشات الكترونية ومن بينها التلفاز قبل سن الثالثة “، فإن الوقت قد حان لاتخاذ الآباء هذا الشعار كقاعدة أساسية للتنشئة السليمة لأطفالهم. و أن أسباب نجاحها تكمن في توفير وسائل الحماية والوقاية للأطفال من الآثار السلبية لهذه الأجهزة من قبل أولياء أمرهم. و هنا لا داعي للإشارة بأن الآباء هم المراقبون الأولون لأطفالهم. و المراقبة تقتضي عدم إغفال الطفل وتركه عرضة للموجات المغناطيسية للشاشات الالكترونية، والتياهان داخل متاهاتها لساعات. وعندما ألح على جانب الوقاية والمراقبة، فلكي أشدد على مدى أهمية التفاعل المباشر للآباء مع أطفالهم بمنأى عن هذه الأجهزة خاصة خلال هذه المرحلة العمرية، وفتح باب التواصل معهم عن طريق اللعب معهم وسرد القصص والحكايات لهم، و كل هذا بهدف تقوية مخيلتهم و درجة تفاعليتهم. و لنا في جداتنا مع الحكي الأسوة الحسنة .

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى