أوبرا فيينا والنصاب الجزائري الظريف..

حديث بسمة/ عزيزة جلاق


كانت فيينا ترتدي حلّتها الأجمل استعدادًا لعيد الميلاد حين وصلناها، نحن الثلاثة. رحلة دافئة في تفاصيلها، جمعتني بالعزيزة نادية أبرام، التي تكفّلت بكل محبة بتنظيم هذا العبور من برلين إلى النمسا، وبالصديقة بشرى مازيه.
لم يكن السفر مجرد انتقال بين مدينتين، بل وعدًا بلحظات مشتركة لا تُنسى. أعادني إليها الفيسبوك اليوم، مشكورًا على تذكيره.
ثلوجٌ خفيفة كانت تنهمر على أسطح البيوت المزخرفة، والأضواء الذهبية تتدلّى على نوافذ المقاهي كأنها نغمات من موسيقى موزارت. المدينة في أوج زينتها، أنيقة كأنها خارجة من بطاقة عيد ميلاد فاخرة، دافئة رغم البرد الذي يلسع الوجوه.
ما إن استقرّ بنا المقام في الفندق، حتى خرجنا نستمتع بأجواء الثلج الخفيف. لحظة طفولية بامتياز دفعتني، بحماسٍ عفوي، إلى أن أفتح فمي وأغنّي منتشية:
“ليالي الأنس في فيينا…”
لكن المفاجأة جاءت سريعة، ومضحكة في الآن نفسه.
هواءٌ جليديّ تسلّل مباشرة إلى حنجرتي، فأصابها بشللٍ مؤقت! بردٌ قارس لم أعد بعده قادرة على الكلام، وكأن فيينا ردّت ربما على نشاز غنائي بأمرٍ صارم، صمتٌ إجباري!
في الساحات الكبرى، كانت تفوح رائحة الشوكولاتة الساخنة والكستناء المشوية. زرنا الكنيسة الكبرى، فغمرني صدى التراتيل تحت القباب العالية، وصوت الجوقة يرتفع كأنه صلاة معلّقة بين الأرض والسماء. لحظة خشوع نادرة، لا تشبه التدين بقدر ما تشبه انبهار الروح حين يلامسها الجمال.
وفي الأمسية الموالية كان موعدنا مع حلم فيينا الموسيقي: الأوبرا.
عند المدخل، شدّ انتباهنا رجل من أصل جزائري، كان يرتدي لباسًا تقليديًا أحمر قانيًا، أنيقًا ومُلفتًا، ينسجم تمامًا مع فخامة المكان وأجوائه الاحتفالية. قماش فاخر بتطريزات دقيقة، وحضور واثق يوحي بأن الأوبرا ليست غريبة عنه، بل جزء من يومياته.
تقدّم نحونا مبتسمًا، وحديثه يفيض عن الأخوّة والعروبة والكرم. ثم فتح ملفًا ورقيًا أنيقًا، أخرج منه رسمًا تخطيطيًا لقاعة الأوبرا، واضح المعالم. أشار بالقلم إلى مقاعد في الوسط، مباشرة أمام الخشبة، مؤكّدًا أن تلك هي أماكننا. ولم يكتفِ بذلك، بل عزّز كلامه بعرض صور للقاعة من زوايا مغرية: رؤية مثالية، قرب المسرح، وفرصة “لا تُفوّت”، وبسعر تفضيلي، فقط لأننا خوا ..خوا..
فرحنا… وصدقنا.
لم يكن في مظهره ولا في طريقته ما يثير الشك: اللباس، النبرة، الرسم، الصور… كل شيء بدا مقنعًا..
لكن الحقيقة ظهرت داخل القاعة.
من الطابق الأول إلى الثاني، ثم الثالث، كانت السيدة المكلّفة بتوجيه الجمهور ترفع يدها في كل مرة وتشير بإصبعها قائلة بصرامة ألمانية:
“Oben!”
نادية تترجم : الفوق… فين القوق؟ نتبعها إلى أعلى…
حتى انتهينا في ركنٍ قصيّ في أقصى العلو، بالكاد نرى خشبة المسرح. كنا نسمع الغناء دون أن نرى المغنّين. أوبرا بالصوت فقط، بلا صورة! وجدنا أنفسنا نقف بالتناوب ونطلّ على الجمهور أكثر مما نطلّ على المسرح.
ضحكنا طويلًا (على راسنا) وعلى المفارقة، فمن غير المنطقي، فعلًا، أن يكون عرض مبهر بهذا الحجم، وفي مدينة مثل فيينا، وبكل هذا البذخ، بتذكرة لا تتجاوز 60 أورو.( حوالي 600 درهم للتذكرة ..المهم دارها بنا الجزائري) .
قلّة خبرتنا بطريقة اقتناء التذاكر هناك جعلتنا نقع في الفخ. لكن، ورغم ذلك، بقيت الليلة جميلة، مزيجًا غريبًا من “نصبٍ ظريف” وسحر موسيقى تسكن الجدران ولا تخذل السامعين.
ليلة لا تُنسى، بعديها إلينا الفيسبوك ويذكرنا بها سنويا مع احتفالات الميلاد وذكرى “بابا نويل “.
فيينا… مدينة تجعلك تمشي على إيقاعها دون أن تدري، وتعلّمك أن السفر ليس دائمًا لحظة انبهار خالص، بل حكاية صغيرة، ترويها في كل مرة وتبتسم.


