انضموا لنا سيسعدنا تواجدكم معنا

انضمام
رأيهم

المغرب بصوتٍ خافت.. وقائع تحوّل صامت… وصحوة لم تأتِ بعد

من أجمل المقالات التأملية التي كُتبت مؤخرًا من وجهة نظري، عن التحولات الاجتماعية في المغرب، لأن الكاتب هنا، لا يكتفي بقراءة الأرقام، بل يحولها إلى قراءة حضارية وثقافية عميقة.

فهذا المقال ليس مجرد قراءة لإحصائيات المندوبية السامية للتخطيط، بل محاولة لفهم التحولات العميقة التي يعرفها المجتمع المغربي من خلال تفاصيل الحياة اليومية، والأسرة، والزواج، والشيخوخة، والإنجاب. بأسلوب أدبي وتأملي، يقدم الكاتب فؤاد المازوني رؤية تتجاوز الأرقام لتلامس أسئلة الهوية والمستقبل.

ارتأينا في “بسمة نسائية” نشر الترجمة العربية الكاملة لهذا المقال لما يثيره من قضايا تستحق النقاش.

بقلم: فؤاد المازوني

كان في البيوت المغربية القديمة فناء. لكنه لم يكن مجرد فناء. بل كان “وسط الدار”، ذلك الفضاء الذي يذكّرنا المهندس المعماري سيرج سانتيلي، في مقال بديع عن فضاءات البيت التقليدي، بأنه القلب الحقيقي للمنزل. كان دائمًا مربعًا أو مستطيلاً، يحتل مركز المخطط، وتتوزع حوله جميع الغرف، بحيث تنفتح كل واحدة منها على الفناء. وهنا تكمن التفاصيل الأهم: لم تكن الغرف تتصل ببعضها مباشرة، فمن أراد الانتقال من غرفة إلى أخرى، كان لا بد أن يعبر الفناء.

لقد شُيّد البيت المغربي، عبر قرون طويلة، متجهًا بكليته نحو الداخل؛ أما الخارج، فلا يواجهك فيه سوى «جدران عارية، صماء، معادية»، كما كتب غالوتي، الذي يستشهد به سانتيلي، بينما في الداخل يكمن الإشراق والدفء والحياة.

ومن خلال هذه الهندسة المعمارية تحديدًا، ينبغي أن نفهم الأسرة المغربية التقليدية. فقد كانت تضم أحيانًا أربعة أجيال تعيش تحت سقف واحد، لا لأن أفرادها كانوا أكثر فضيلة من غيرهم، بل لأن تصميم البيت نفسه كان يجعل ذلك أمرًا لا مفر منه. لم يكن بالإمكان أن يتجنب أفراد الأسرة بعضهم بعضًا من الصباح إلى المساء.

وكان للمسنين مكانهم المميز: “البهو”، ذلك الركن الغائر في سُمك الجدار، أقدم غرف البيت وأوسعها وأكثرها زخرفة، والتي كانت، كما يكتب سانتيلي، مخصصة لكبار السن في الأسرة. كان الشيوخ يحتلون المركز المعماري للبيت، كما كان الأطفال الرضع ينتقلون من ذراع إلى أخرى، ومن ظهر إلى آخر، حول شجرة التين التي تتوسط الفناء. كان البيت أشبه بسيمفونية اجتماعية متكاملة.

ذلك العالم، ومن دون أن يصدر أي قرار بإلغائه، يوشك اليوم على الانطفاء.

فالأرقام التي نشرتها المندوبية السامية للتخطيط تبدو جافة ككل الإحصاءات، لكنها تخفي وراءها حقيقة إنسانية عميقة ومؤثرة. فالمغربي اليوم يعيش، في 73% من الحالات، داخل أسرة نووية، بينما لم تعد الأسرة الممتدة، أسرة الفناء الكبير، تمثل سوى بيت واحد من كل خمسة بيوت.

لقد ضاق البيت: من الفناء إلى الشقة، ومن الشقة إلى الاستوديو. ومع هذا التحول تبدّل أمر أكثر عمقًا، من دون أن ننتبه إليه: أصبحت الغرف تتصل ببعضها عبر ممرات، ولم يعد هناك فناء يجب عبوره. صار بالإمكان أن يعيش الناس جنبًا إلى جنب، وهم يتجنب بعضهم بعضًا. وهو امتياز لم يكن يسمح به البيت المغربي القديم، بحكم هندسته نفسها.

إن المغرب لم يغيّر مسكنه فحسب، بل غيّر أيضًا طريقة اقتراب أفراده من بعضهم، والمسافة الإنسانية التي كانت تجمعهم.

ولم يتوقف التغيير عند هذا الحد.

فأكثر من نصف المغاربة غير المتزوجين يصرحون اليوم بأنهم لا يرغبون في الزواج، وترتفع هذه النسبة إلى قرابة ستين في المائة بين الرجال. إنها ظاهرة غير مسبوقة في مجتمع كان يعتبر الزواج، عبر تاريخه، العتبة الطبيعية لدخول مرحلة الرشد، والعقد المؤسس للحياة كلها.

واليوم، بات الأبناء والبنات يؤجلون تلك العتبة، أو يعزفون عنها نهائيًا. فقد بلغ متوسط سن الزواج الأول لدى الرجال ثلاثة وثلاثين عامًا.

ولعل السؤال الذي يفرض نفسه هو: ما جدوى زواج لم يعد الإنسان قادرًا على تحمل أعبائه؟ الإيجار، وحفل الزفاف، والصداق، واللباس، ونظرة المجتمع… لقد أجرى الشباب حساباتهم، وكانت نتائجها بليغة.

والأعمق من ذلك أن الزواج، حين يتم، فإن النساء هن اللواتي يطلبن إنهاءه في 58% من الحالات.

أود أن أتوقف قليلًا عند هذه الحقيقة. فكثيرًا ما تُقدَّم هذه الأرقام بوصفها مجرد عرض من أعراض أزمة اجتماعية، لكنني أراها تعبيرًا غير مسبوق عن حداثة مغربية تتشكل بهدوء.

فالمرأة التي ظلت، عبر أجيال، مطالبة بأن تتحمل وتستمر، لأنها امرأة، ولأن المجتمع كان يعتبر الصبر قدرها، أصبحت اليوم تختار ألا تستمر في علاقة لم تعد قابلة للحياة. وليس ذلك فشلًا، بل انتقالًا من وضعية “الموضوع” إلى مكانة “الذات” التي تقرر مصيرها بنفسها.

أما الثمن الذي تدفعه فهو باهظ؛ إذ تؤكد 94% من الأمهات العازبات أو المنفصلات أنهن لا يتوصلن بالنفقة المستحقة لأبنائهن. ومع ذلك يواصلن هذا الخيار. وهو أمر يستحق الاحترام أكثر مما يستحق التعليق.

ثم تأتي الخصوبة.

لأول مرة في تاريخ المغرب، ينخفض معدل الخصوبة إلى ما دون عتبة تعويض الأجيال، ليبلغ 1.97 طفل لكل امرأة. وينخفض أكثر في المدن، وبين النساء الحاصلات على تعليم عالٍ، حتى يقترب أحيانًا من طفل واحد فقط.

ويرى كثير من المحللين أن هذا الرقم يشكل “قنبلة ديموغرافية موقوتة”: فقلة المواليد اليوم تعني غدًا عددًا أقل من العاملين، وعددًا أقل من المساهمين في صناديق التقاعد، وعددًا أكبر من المتقاعدين الذين يحتاجون إلى الإعالة.

غير أن الحسابات لم تعد بهذه البساطة.

ففي اللحظة التي يقلق فيها الجميع من نقص اليد العاملة، بدأت الذكاء الاصطناعي يلتهم سوق العمل نفسه، بما في ذلك المهن التي كانت تبدو الأكثر استقرارًا: مراكز النداء في الدار البيضاء، ومكاتب المحاسبة، وأعمال الترجمة، والخدمات عن بُعد… وهي الوظائف التي كانت تمثل أفقًا طبيعيًا لأبناء الطبقة الوسطى المغربية.

وربما يجري الشباب المغربي، من دون أن يعلن ذلك صراحة، أكثر الحسابات قسوة: لماذا ننجب أطفالًا لوظائف قد لا تكون موجودة أصلًا عندما يكبرون؟

لكن وراء كل الحسابات الاقتصادية حقيقة أعمق: فالمجتمع الذي لم يعد ينجب ما يكفي من الأطفال، هو مجتمع لم يعد يثق بالمستقبل بما يكفي.

فالخصوبة ليست مجرد وظيفة بيولوجية، بل إعلان ثقة بالحياة. الإنسان ينجب حين يكون لديه أمل.

وفي نهاية هذه السلسلة يقف كبار السن.

فقد أصبح 13.8% من المغاربة يتجاوزون الستين من العمر، وهذه النسبة مرشحة للارتفاع باستمرار.

والأكثر إثارة أن ما يقرب من نصفهم يطالبون اليوم بأن توفر الدولة دورًا لإيوائهم.

في بلد كان احترام الكبار فيه عقيدة اجتماعية، ولم يكن من المقبول أن يُرسل الأب أو الأم إلى مؤسسة للرعاية، وكان المسنون يقيمون في “البهو”، أجمل غرف البيت وأكثرها مكانة، نجد اليوم أن المسنين أنفسهم هم من يطلبون مغادرة البيت.

وربما تكون هذه الإحصائية هي الأكثر إيلامًا: فليس الأبناء هم الذين يطردون الشيوخ من “البهو”، بل إن الشيوخ أنفسهم أدركوا أن “البهو” لم يعد موجودًا.

لقد تبدلت جغرافيا الشيخوخة في المغرب؛ فمن الغرفة الأكثر تكريمًا، أصبح كبار السن، في غضون جيل واحد، أول المرشحين للإقامة في المؤسسات الاجتماعية.

أكتب كل هذا بمحبة عميقة لهذا البلد؛ لأزقته، وقرميده الأخضر، وروائح الكمون وزهر البرتقال، وللنور الذي ينعكس على جدرانه الطينية، وللرقة الهادئة التي تميز أهله.

وأكتب ذلك لأنني أشعر أن ما ينتهي اليوم ليس تفصيلًا عابرًا، بل هو حضارة كاملة تعيد صياغة ميثاقها مع نفسها.

إن ما يتفكك في هذا المستوى العميق لا يمكن إصلاحه بمجرد دعم للسكن أو منح لتشجيع الإنجاب. فلا تُنقذ الأسرة المغربية بإعفاء ضريبي، ولا يُبعث الفناء التقليدي إلى الحياة عبر سياسات قطاعية.

إننا بحاجة، في تقديري، إلى أن نعيد التفكير في كل شيء، لا انطلاقًا من عقيدة جاهزة، بل من تواضع فكري، ومن نقطة الصفر، لصياغة العقد الذي ينبغي أن يجمع المجتمع المغربي في القرن الحادي والعشرين.

لغة الأحزاب لن تكفي، ولغة الوزارات أيضًا لن تكفي.

إن المغرب يحتاج إلى معجم جديد، معجم لم يولد بعد، وسيكون علينا أن نخترعه.

كيف سيكون هذا المعجم؟

لا أدري.

وهذا بالضبط ما يجعلنا في حاجة إلى صحوة جديدة.

لن تأتي هذه الصحوة من الأحزاب، المنشغلة غالبًا بالبقاء أكثر من انشغالها بالتجدد، ولن تأتي من الإدارات، المنشغلة بتدبير الحاضر أكثر من صناعة المستقبل.

ستأتي، كما يحدث غالبًا، من مكان آخر.

قد تأتي من المغاربة المقيمين في الخارج؛ من باريس أو بروكسيل أو مدريد أو مونتريال، ممن عرفوا طرقًا أخرى للعيش، ولتربية الأبناء، ولرعاية المسنين، ولإدارة الفراق واللقاء، ثم عادوا يحملون معهم تلك التجارب، كما حمل أسلافهم دائمًا الأفكار واللغات والعادات.

وقد تأتي أيضًا من أعماق المغرب نفسه؛ من الأندلس التي احتضنها يومًا، ومن الجذور الأمازيغية التي لا تزال تسكنه، ومن موغادور التي جمعت المسلمين واليهود حول المائدة نفسها، يرددون الدعاء ذاته بلغات مختلفة.

وربما تأتي ببساطة من المستقبل؛ من الجيل الذي يولد الآن، والذي لم يعرف “وسط الدار”، لكنه سيبتكر فضاءً آخر يجمع الناس.

فضاءً لن يشبه الفناء القديم، ولن تتوسطه شجرة تين، ولن تحيط به جدران صماء، لكنه سيكون مكانًا يستطيع الناس فيه، من جديد، أن يتقاسموا أطفالهم بين الأذرع والقلوب، وأن يستعيدوا معنى القرب الإنساني.

إن المغرب يتحدث اليوم بصوت خافت.

يتغير في صمت، بينما يعلو ضجيج السياسة.

إنه يطلب منا أن نصغي إليه… لكن بصوت خافت أيضًا.

فالحضارة المنزلية المغربية كانت، في جوهرها، حضارةً يخفي فيها الخارج صمته، بينما يعج الداخل بالحياة. كانت الأزقة لا تقول شيئًا، فيما كان الفناء يقول كل شيء.

ولذلك ليس غريبًا أن يأتي هذا التحول الكبير في هدوء.

فالقرن الجديد لا يُصنع بالشعارات، بل بالهمسات.

وأعتقد أن الحكاية الحقيقية لهذه السنوات لن تُكتب في أعمدة الصحف، بل تُكتب كل يوم، من دون عنوان، في المطابخ التي لم تعد تجمع الأسرة حول مائدة واحدة، وفي غرف الأطفال الذين لن يولدوا، وفي صمت الأفنية التي تفرغ تدريجيًا من أهلها.

ومن ذلك الصمت، لا من الصراخ، سيولد، كما أرجو، الكلمة الجديدة التي سيحتاجها المغرب ليكتب فصله القادم.

 

اظهر المزيد

عزيزة حلاق

مديرة مجلة بسمة نسائية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

تم اكتشاف Adblock المرجو وضع مجلة بسمة في القائمة البيضاء نحن نعول على ايرادات الاعلانات لاستمرارية سير المجلة. شكرا