انضموا لنا سيسعدنا تواجدكم معنا

انضمام
رأيهم

جليل طليمات يكتب عن لطيفة اجبابدي: المناضلة الشاملة

هناك شخصيات يصعب اختزالها في لقب، لأن مساراتها تتجاوز كل التصنيفات. ولطيفة اجبابدي واحدة من تلك القامات التي لا تكفي لوصفها نعوت مثل “حقوقية” أو “سياسية” أو “نسائية”. إنها، كما وصفها الرفيق جليل طليمات في شهادته خلال حفل تكريمها بمؤسسة الفقيه التطواني، “مناضلة شاملة”، لأن أكثر من خمسة عقود من الالتزام جعلت حضورها ممتدًا في السياسة والعمل الحزبي، والنقابة، والحركة النسائية، والدفاع عن حقوق الإنسان، والإعلام، والبحث الأكاديمي، والتربية، والعمل الدولي.

لم تكن هذه الصفة مجاملة في لحظة تكريم، بل خلاصة مسار طويل يصعب الإحاطة به في كلمة أو شهادة. فكل محطة من محطات حياتها تصلح لأن تكون كتابًا مستقلاً، وكل تجربة من تجاربها تحمل من الدروس ما يكفي لاستعادة جزء مهم من تاريخ المغرب السياسي والحقوقي والنسائي.

ولأننا أمام شهادة تتجاوز قيمتها حدود السرد الشخصي لتغدو وثيقة تاريخية بامتياز، تكشف جوانب من سيرة امرأة استثنائية طبعت زمنها، فقد اخترنا في “بسمة نسائية” نشرها كاملة، حفاظًا على صدقيتها وأمانتها، مع الإبقاء على جميع الأفكار التي تضمنتها شهادة الأستاذ جليل طليمات، مكتفين بتقسيمها إلى أربعة أجزاء، تيسيرًا للقراءة فقط، دون أي مساس بجوهرها أو سياقها.

لطيفة اجبابدي.. من الحركة التلاميذية إلى دروب النضال

تنتمي لطيفة اجبابدي إلى جيل تشكل وعيه في السنوات الأولى للاستقلال، حين كان الحلم ببناء دولة الحرية والديمقراطية يصطدم بواقع سياسي معقد. كان جيلاً آمن بأن الاستقلال السياسي لا يكتمل دون العدالة الاجتماعية والديمقراطية، وجيلاً عاش التوتر الذي انتهى إلى ما عرف لاحقًا بسنوات الجمر والرصاص. وفي تلك المرحلة المبكرة، وهي لا تزال تلميذة في مدارس سوس، بين تزنيت وأكادير، ارتفع صوتها داخل الحركة التلاميذية، مطالبة بحق التلاميذ في التعبير والتنظيم، قبل أن تنخرط في النقابة الوطنية للتلاميذ، ثم في منظمة “23 مارس”، لتبدأ رحلة نضالية ستستمر عشرات السنين، وتقودها إلى مواقع المسؤولية داخل منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، ثم الحزب الاشتراكي الديمقراطي، وبعد ذلك إلى المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بالتوازي مع دورها الريادي في تأسيس الحركة النسائية المغربية الحديثة.

لكن الطريق لم يكن مفروشًا بالانتصارات. فقد دفعت ثمن اختياراتها كاملة، حين اعتقلت بين سنتي 1977 و1980 ضمن مجموعة المعتقلين السياسيين، لتدخل تجربة السجن بكل ما حملته من تعذيب وإهانة ومحاولات لكسر الإرادة. غير أن تلك السنوات كشفت معدنها الحقيقي.

يستعيد جليل طليمات، الذي كان أحد رفاقها في الاعتقال، أول صورة احتفظ بها عنها: صوت امرأة يعلو في ممرات معتقل درب مولاي الشريف، محتجًا على الإهانات والتحرشات التي كانت تتعرض لها المعتقلات. لم يكن ذلك مجرد احتجاج عابر، بل إعلانًا مبكرًا أن الكرامة لا تُساوَم، حتى في أكثر اللحظات قسوة.

وفي قلب تلك التجربة القاسية، ولدت أيضًا واحدة من أجمل الحكايات الإنسانية. ففي إحدى جلسات الاستنطاق التي جمعتها برفيق دربها الراحل عبد الواحد بلكبير، رفع الجلادون العصابة عن أعينهما للحظات، ظنًا منهم أنهم سيحصلون على اعتراف أو انهيار. لكن النظرة الخاطفة التي تبادلاها كانت أبلغ من كل الكلمات؛ نظرة حملت التضامن، والإصرار، والحب، وأربكت الجلادين بدل أن تحقق لهم ما أرادوا. ستكتب لطيفة لاحقًا أن حبهما الكبير انبثق من تحديهما المشترك لوحشية التعذيب، وأن تلك اللحظة بقيت محفورة في ذاكرتها إلى الأبد. ومن رحم تلك المعاناة تأسست أسرة أنجبت وليدًا ونبيلًا، لتثبت أن الحياة قادرة على الانتصار حتى في أحلك الظروف.

غادرت لطيفة السجن بسراح مؤقت، لكنها لم تغادر النضال. كان عليها، مع رفاقها ورفيقاتها، أن تساهم في الانتقال من العمل السري إلى العمل العلني، وأن تؤسس رؤية جديدة للعمل النسائي. هكذا ولدت سنة 1983 جريدة “8 مارس”، أول منبر إعلامي نسائي نوعي، تعامل مع قضية المرأة باعتبارها قضية ديمقراطية وثقافية ومجتمعية، لا مجرد مطالب فئوية. ولم يكن ذلك سوى بداية مسار سيقود، سنة 1987، إلى تأسيس اتحاد العمل النسائي، الذي تحول إلى مدرسة للنضال والتكوين والدفاع عن النساء، وإلى قوة اقتراحية لعبت أدوارًا حاسمة في معركة إصلاح مدونة الأحوال الشخصية، وفي إطلاق عريضة المليون توقيع، وفي ترسيخ فكرة أن المساواة ليست امتيازًا، بل شرطًا لبناء مجتمع ديمقراطي

لطيفة اجبابدي… امرأة اختارت الطريق الأصعب

لم تكن تجربة الاعتقال في حياة لطيفة اجبابدي محطة عابرة، بل كانت الامتحان الحقيقي الذي صاغ شخصيتها ورسخ قناعاتها. فبين سنتي 1977 و1980، وجدت نفسها ضمن مجموعة المعتقلين السياسيين الذين عاشوا إحدى أكثر الفترات قسوة في تاريخ المغرب الحديث، وهي المرحلة التي عُرفت لاحقًا بسنوات الجمر والرصاص. لكنها، كما يستعيد الرفيق جليل طليمات، لم تدخل السجن باعتبارها ضحية، بل دخلته مناضلة تحمل قناعاتها معها، وخرجت منه أكثر إيمانًا بأن الحرية تستحق أن يدفع الإنسان ثمنها.

ويستحضر صاحب الشهادة أول صورة انطبعت في ذاكرته عنها داخل المعتقل. لم تكن صورة امرأة منهكة أمام التعذيب، بل صورة صوت قوي يعلو في ممرات معتقل درب مولاي الشريف، محتجًا على ما كانت تتعرض له المعتقلات من إهانات وتنمر وتحرش. كان ذلك الصوت، كما يقول، هو صوت لطيفة اجبابدي؛ صوت الكرامة وهي تواجه جلاديها، وصوت امرأة رفضت أن تصمت حتى وهي مكبلة بالأغلال. ففي زمن كان مجرد الهمس قد يكلف المعتقل عقابًا مضاعفًا، اختارت هي أن تجعل من صوتها سلاحًا للدفاع عن كرامة النساء المعتقلات، غير آبهة بما قد يترتب عن ذلك من انتقام أو تعذيب إضافي.

غير أن السجن، بكل ما حمله من قسوة، كان يحمل أيضًا مفارقة إنسانية عميقة. ففي إحدى جلسات الاستنطاق، جمعت الصدفة بين لطيفة اجبابدي ورفيق دربها، المناضل الراحل عبد الواحد بلكبير. كان الجلادون يظنون أن رفع العصابة عن أعينهما للحظات قد يربكهما أو يدفعهما إلى الاعتراف، لكن الذي حدث كان العكس تمامًا.

تحكي لطيفة، في تقديمها لكتاب تأبيني جماعي عن زوجها الراحل، أن تلك النظرة الخاطفة التي تبادلاها كانت كافية لتقول كل شيء. لم تكن هناك كلمات، ولم يكن هناك وقت للكلام، لكن العينين نقلتا رسالة كاملة من التضامن، والتشجيع، والإيمان بأن الصمود هو الطريق الوحيد للانتصار على الجلاد. وتكتب في شهادتها المؤثرة: “لن أنسى ما حييت أن حبنا الكبير انبثق من تحدينا لوحشية الجلادين…”، وهي عبارة يوردها جليل طليمات باعتبارها واحدة من أكثر اللحظات دلالة في تلك التجربة الإنسانية الفريدة.

قد يبدو غريبًا أن تولد قصة حب داخل أقبية التعذيب، لكن تلك هي المفارقة التي صنعتها سنوات الرصاص. فمن قلب الألم خرج الأمل، ومن بين الجدران الباردة تشكلت علاقة ستستمر سنوات طويلة، وستثمر أسرة أنجبت وليدًا ونبيلًا، قبل أن يفرق الموت بين رفيقي الدرب بعد عقود من النضال المشترك. بالنسبة لجليل طليمات، لم تكن تلك مجرد قصة شخصية، بل دليل على قدرة الإنسان على الانتصار للحياة، حتى وهو في مواجهة آلة القمع.

وبعد مغادرتها السجن بسراح مؤقت، لم تبحث لطيفة عن هدنة مع الحياة، ولم تعتبر أن سنوات الاعتقال تمنحها حق الانسحاب أو الراحة. على العكس تمامًا، انخرطت مباشرة في ورش الانتقال من العمل السري إلى العمل السياسي العلني، وهي مرحلة كانت تتطلب شجاعة لا تقل عن شجاعة سنوات المواجهة، لأنها كانت تستوجب بناء تنظيمات جديدة، وصياغة خطاب جديد، وإقناع المجتمع بأن الديمقراطية يمكن أن تنتزع بالنضال المدني كما انتزعت بالتضحيات.

وفي الوقت نفسه، كانت لطيفة ورفيقاتها يفكرن في سؤال آخر: كيف يمكن بناء حركة نسائية مستقلة، تحمل مشروعًا مجتمعيا متكاملًا، ولا تكتفي بالدفاع عن قضايا النساء بمنطق المطالب الجزئية؟

كان الجواب عمليًا. ففي سنة 1983 صدر العدد الأول من جريدة “8 مارس”، التي شكلت حدثًا إعلاميًا غير مسبوق في المغرب. لم تكن الجريدة مجرد منبر نسائي، بل فضاءً فكريًا وسياسيًا وثقافيًا أعاد تعريف قضية المرأة باعتبارها قضية نهضة مجتمعية، وربط بين تحرر النساء والتحرر الديمقراطي للمجتمع كله. وقد تولت لطيفة اجبابدي رئاسة تحريرها إلى جانب عائشة لخماس، لتتحول الجريدة إلى مدرسة في الصحافة النسائية الجادة، وإلى منبر ساهم في خلق دينامية ثقافية جديدة حول قضايا النساء.

ومن رحم هذه التجربة الإعلامية، ولدت سنة 1987 تجربة أكبر وأعمق، هي اتحاد العمل النسائي. لم يكن مجرد إطار جمعوي، بل مشروعًا مجتمعيا متكاملاً، احتضن النساء في وضعية هشاشة، وفتح مراكز النجدة، وخاض معارك تشريعية وثقافية، وربط بين الدفاع عن حقوق النساء والدفاع عن الديمقراطية والعدالة الاجتماعية. ومن خلاله، ساهمت لطيفة اجبابدي في واحدة من أكبر التعبئات النسائية في تاريخ المغرب، وهي عريضة المليون توقيع المطالبة بإصلاح مدونة الأحوال الشخصية، التي شكلت منعطفًا حاسمًا في تاريخ الحركة النسائية المغربية، ورسخت قناعة مفادها أن النضال من أجل المساواة لا ينفصل عن النضال من أجل بناء دولة الحق والقانون.

بهذا المعنى، لم تكن لطيفة اجبابدي تنتقل من معركة إلى أخرى، بل كانت تنسج خيطًا واحدًا يصل بين كل تلك الجبهات؛ من السياسة إلى الإعلام، ومن العمل النسائي إلى الدفاع عن حقوق الإنسان، واضعة الإنسان، رجلاً كان أو امرأة، في قلب مشروعها النضالي.

لطيفة اجبابدي… حين يصبح البحث عن الحقيقة رسالة حياة

إذا كان النضال السياسي قد كشف عن صلابة لطيفة اجبابدي، والعمل النسائي أبرز قدرتها على بناء المؤسسات وصناعة التغيير، فإن تجربتها داخل هيئة الإنصاف والمصالحة كشفت عن وجه آخر في شخصيتها؛ وجه الحقوقية التي لم تكتف بالدفاع عن المبادئ، بل نزلت إلى الميدان بحثًا عن الحقيقة، مهما كانت مؤلمة.

يتوقف جليل طليمات طويلًا عند هذه المحطة، لأنها في نظره تختزل المعنى الحقيقي للالتزام. فعندما تشكلت هيئة الإنصاف والمصالحة، كانت لطيفة اجبابدي المرأة الوحيدة بين أعضائها، في مهمة لم تكن سهلة ولا عادية. فقد كان المطلوب ليس فقط الإنصات إلى شهادات ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وإنما أيضًا المساهمة في كشف الحقيقة كاملة، والبحث عن المفقودين، والوصول إلى أماكن دفن الضحايا الذين ابتلعتهم سنوات الرصاص.

كان ذلك عملًا شاقًا، يختلط فيه القانون بالتاريخ، والذاكرة بالألم، والإنسانية بالمسؤولية. لكن لطيفة، كما يروي صاحب الشهادة، لم تتعامل مع هذه المهمة بوصفها وظيفة أو تكليفًا مؤقتًا، بل باعتبارها واجبًا أخلاقيًا تجاه الضحايا وعائلاتهم، وتجاه وطن لا يمكنه أن يبني مستقبله دون أن يصالح ماضيه.

ويستشهد جليل طليمات بما أورده الحقوقيان امبارك بودرقة والراحل أحمد شوقي بنيوب في كتابهما حول تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة، وهي شهادة تلخص روح لطيفة اجبابدي في تلك المرحلة. ففي إحدى عمليات البحث عن الرفات بإحدى المقابر الجماعية، داهمهم الظلام مع اقتراب موعد الإفطار في شهر رمضان. كان الجميع يستعد للمغادرة، لكن لطيفة أصرت على مواصلة الحفر حتى التأكد من وجود الرفات في القبور المتبقية. طلبت من العمال ورجال السلطة أن ينصرفوا للإفطار، بينما بقيت هي في المكان، رافضة مغادرة الموقع قبل استكمال المهمة. وعندما أصر الجميع على البقاء معها، أُحضرت مصابيح الإنارة، واستمرت عملية البحث في الليل، وكانت لطيفة تُدخل ذراعيها داخل القبور، تتحسس بيديها بقايا الهياكل العظمية، بحثًا عن أثر يقود إلى الحقيقة.

قد تبدو الصورة قاسية، لكنها تكشف معدن امرأة لم يكن النضال عندها شعارًا يرفع، ولا خطابًا يلقى في الندوات. كانت مستعدة لأن تواجه أكثر المشاهد إيلامًا بيديها العاريتين، لأن الحقيقة بالنسبة إليها ليست مفهومًا مجردًا، بل حقًا للضحايا، وشرطًا لكل مصالحة حقيقية.

ويرى جليل طليمات أن تلك اللحظة وحدها تكفي لفهم شخصية لطيفة اجبابدي. فقد استطاعت أن تغلب حساسيتها الإنسانية، وأن تكبح مشاعرها أمام مشاهد الموت، حتى تؤدي واجبها كاملاً. لم تكن تبحث عن عظام مدفونة فحسب، بل كانت تبحث عن كرامة وطن، وعن ذاكرة يجب أن تستعاد، وعن عدالة لا تكتمل إلا بكشف الحقيقة كاملة.

ولم يتوقف عطاؤها عند هذا الحد. فقد واصلت مسارها العلمي والأكاديمي، وحصلت على تكوين جامعي عالٍ من جامعة محمد الخامس وجامعة مونريال، كما راكمت تجربة في التدبير التربوي، قبل أن تتحمل مسؤوليات وطنية ودولية في مجال حقوق الإنسان. فقد كانت مفاوضة في اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان، ثم عينتها الأمم المتحدة سفيرة للمجتمع المدني في مجال حقوق الإنسان بالمغرب والعالم العربي، كما حظيت سنة 2005 بتكريم دولي من مؤسسة Vital Voices التي منحتها جائزة القيادة العالمية، قبل أن تمثل المغرب داخل لجنة الاتحاد الإفريقي للعدالة الانتقالية.

كل هذه المسؤوليات لم تغير شيئًا في طبيعتها. بقيت المرأة نفسها التي تعرفها رفيقاتها ورفاقها؛ قريبة من الناس، منصتة، متواضعة، لكنها صارمة عندما يتعلق الأمر بالمبادئ. ولذلك لم يكن غريبًا أن تتحول، عبر العقود، إلى واحدة من أبرز الوجوه النسائية في المغرب، وإلى مرجع في قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان والمساواة.

إنها تجربة تثبت أن النضال الحقيقي لا يقاس بعدد المناصب، وإنما بعمق الأثر الذي يتركه الإنسان في حياة الآخرين. ولطيفة اجبابدي تركت أثرها في السياسة، وفي الحركة النسائية، وفي العدالة الانتقالية، وفي الجامعة، وفي المدرسة، وفي ذاكرة كل من عرفها أو عمل معها.

لطيفة اجبابدي… الإنسانة التي انتصرت للمبدأ قبل الذات

بعد أن يستعرض الرفيق جليل طليمات المسار السياسي والحقوقي والنسائي والأكاديمي الحافل للطفية اجبابدي، يتوقف عند ما يعتبره جوهر شخصيتها، وهو ما لا تكتبه السير الذاتية عادة، ولا تختزله المناصب أو الألقاب.

فما يميز لطيفة، في نظره، ليس فقط أنها راكمت تجربة نضالية امتدت لأكثر من خمسة عقود، ولا أنها تقلدت مسؤوليات وطنية ودولية مرموقة، وإنما لأنها ظلت، وسط كل ذلك، وفية للقيم التي آمنت بها منذ شبابها. لم تغيرها المواقع، ولم تغرها الأضواء، ولم تجعل من النضال وسيلة للامتياز، بل بقي بالنسبة إليها التزامًا أخلاقيًا قبل أن يكون خيارًا سياسيًا.

ويصفها رفيق دربها بأنها جمعت في شخصيتها صفات قد تبدو متناقضة، لكنها اجتمعت فيها بانسجام نادر؛ فهي إنسانة يغلب عليها اللطف واللباقة والرقة في التعامل مع الآخرين، لكنها في الوقت نفسه صارمة عندما يتعلق الأمر بالمبادئ، لا تساوم على الحقيقة، ولا تجامل في القضايا التي تؤمن بها. لذلك اكتسبت، عبر سنوات طويلة، احترام المختلفين معها قبل المتفقين، لأن معيارها ظل دائمًا هو النزاهة الفكرية، والصدق النضالي، والكفاءة الأخلاقية والعلمية.

ولعل أجمل ما في شهادة جليل طليمات أنه لا يكتفي بتعداد المحطات، بل يلتقط المعنى العميق الذي يجمع بينها جميعًا. فمن التلميذة التي رفعت صوتها في مدارس سوس، إلى المعتقلة السياسية التي تحدت جلاديها، إلى المؤسسة للحركة النسائية الحديثة، إلى الحقوقية التي نبشت بيديها عن رفات ضحايا سنوات الرصاص، ثم إلى الأكاديمية والفاعلة الدولية، نكتشف أن الخيط الناظم لكل هذه المراحل كان واحدًا: الإيمان الراسخ بأن كرامة الإنسان هي البوصلة التي ينبغي ألا يحيد عنها أي نضال.

لهذا لا تبدو عبارة “المناضلة الشاملة” مجرد توصيف لمسار متعدد، بل تعريفًا لامرأة رفضت أن تتجزأ قضاياها. فالديمقراطية عندها لا تنفصل عن المساواة، وحقوق النساء لا تنفصل عن حقوق الإنسان، والعمل السياسي لا ينفصل عن الثقافة، والعدالة الانتقالية لا تكتمل إلا بكشف الحقيقة، والتكوين الأكاديمي لا قيمة له إذا لم يتحول إلى خدمة للمجتمع.

وفي خاتمة كلمته، يختار جليل طليمات أن يبتعد عن السياسة قليلًا، ليخاطب رفيقة دربه النضالي بكلمات مؤثرة، يستحضر فيها معركتها الأخرى مع المرض. يشير إلى قلبها الذي طالما أرهقها وحذرها، لكنه يعترف بأن هذا القلب نفسه ظل يخفق بعناد، لأنها لم تعرف يومًا كيف تتراجع عن قضية آمنت بها، ولا كيف تؤجل واجبًا اقتنعت به. لقد واصلت السير، رغم التعب، ورغم المرض، ورغم ثقل السنوات، مدفوعة بإيمانها بأن الدفاع عن الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمساواة بين النساء والرجال ليس مهمة تنتهي، بل رسالة عمر.

ولعل هذا هو السر الذي يجعل لطيفة اجبابدي تحظى اليوم بكل هذا التقدير. فهي لا تمثل نفسها فقط، ولا تمثل تنظيمًا سياسيًا أو إطارًا حقوقيًا بعينه، بل تمثل جيلًا كاملًا من النساء والرجال الذين حلموا بمغرب أكثر عدلًا، ودفعوا ثمن ذلك من أعمارهم وحريتهم واستقرارهم، دون أن يطلبوا مقابلًا سوى أن يروا وطنهم أكثر إنصافًا.

إن تكريم لطيفة اجبابدي ليس احتفاءً بمسار فردي فحسب، بل هو احتفاء بقيم الصمود، والوفاء، والنزاهة، والإيمان العميق بأن التغيير الحقيقي تصنعه النساء والرجال الذين يواصلون السير، حتى عندما يصبح الطريق أكثر وعورة.

وإذا كانت بعض الشخصيات تُقاس بعدد المناصب التي شغلتها، فإن لطيفة اجبابدي تُقاس بعدد البصمات التي تركتها في ذاكرة وطن، وفي وجدان أجيال من المناضلات والمناضلين، وفي كل معركة انتصرت فيها الكرامة على الخوف، والحقيقة على النسيان.

لهذا، تبدو العبارة التي اختارها جليل طليمات عنوانًا لشهادته أكثر من مجرد وصف، إنها خلاصة حياة كاملة: “لطيفة اجبابدي… المناضلة الشاملة.”

اظهر المزيد

عزيزة حلاق

مديرة مجلة بسمة نسائية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

تم اكتشاف Adblock المرجو وضع مجلة بسمة في القائمة البيضاء نحن نعول على ايرادات الاعلانات لاستمرارية سير المجلة. شكرا