بسمة نسائية/ عزيزة حلاق
كل الحب والتقدير لكِ، زميلتنا وصديقتنا خديجة رضوان. كنتِ وستظلين المرأة القوية التي لا تنكسر، والصحفية الراقية التي تكتب بصدق ونبل، والإنسانة التي تعلّمنا أن الشجاعة ليست في إخفاء الألم، بل في القدرة على مواجهته، ثم تحويله إلى كلمات تمنح الآخرين الأمل.
البوح شفاءً… والكتابة مقاومة
هناك نساء يخترن الصمت، ليس خوفًا، بل لأن الألم أكبر من أن يُحكى. وهناك أخريات يمتلكن شجاعة استثنائية، فيحوّلن وجعهن إلى كلمات، لا طلبًا للشفقة، بل انتصارًا للحياة.
كانت المفاجأة أن تنشر خديجة رضوان هذه الشهادة على صفحتها الشخصية. فهي ليست من رواد مواقع التواصل الاجتماعي، ولا ممن يواظبون على مشاركة تفاصيل حياتهم مع الآخرين. على العكس، قلّما تنشر، ونادرًا ما تبوح بما يخصها، مفضلة أن تتحدث أعمالها عنها. لذلك جاء هذا البوح استثنائيًا، صادما و مفاجئًا لكل من يعرفها، ومؤثرًا بصدقه وإنسانيته.
ما أقدمت عليه الزميلة والصديقة خديجة رضوان، ليس مجرد سرد لتجربة مع المرض، بل كشفٌ عن أكثر اللحظات هشاشة في حياة امرأة واجهت السرطان بكل ما يحمله من خوف وأسئلة وانكسارات، ثم واجهته أيضًا بالكلمة. كتبت بجرأة نادرة، وبصدق يلامس القلب، ووصفت تفاصيل قد يعجز كثيرون عن البوح بها، لأن الكتابة، كما تقول، كانت جزءًا من رحلة العلاج.
في ركن “أصواتهن” نؤمن أن مثل هذه الشهادات تستحق أن تُقرأ، لأنها لا تروي قصة مرض فقط، بل تحكي عن قوة المرأة، وعن هشاشتها أيضًا، وعن قدرتها على تحويل الألم إلى أمل، والخوف إلى حياة.
كل التقدير والامتنان لك عزيزتي خديجة، لأنك منحتنا ثقتك، وفتحت نافذة على تجربة إنسانية عميقة، لعلها تمنح امرأة أخرى تواجه المعركة نفسها شيئًا من العزاء، والكثير الكثير من الأمل.
خديجة رضوان: حين اقتحم السرطان حياتي
دونتها الليلة 14 يوليوز 2026على صفحتها الشخصية بالفايسبوك، باللغة الفرنسية.
Lorsque le Cancer s’est invité dans ma vie
ترددت طويلًا في الحديث عن هذا الموضوع، ربما حياءً، وربما لأنني لم أكن أملك القوة الكافية. كانت معركتي شخصية وحميمية إلى أبعد الحدود. الأشخاص الذين عاشوا هذه التجربة معي لا يتجاوزون دائرة العائلة الضيقة وبعض الأصدقاء المقربين جدًا. كانوا ولا يزالون سندي، والركيزة التي أستند إليها في مواجهة المرض. وإذا كنت أتحدث عنه اليوم علنًا، فلأنني أفعل ذلك في إطار علاج نفسي بالدرجة الأولى. إن تسمية السرطان باسمه، والحديث عن الطريقة التي اقتحم بها حياتي وقلبها رأسًا على عقب، هو خطوة أخرى على طريق التعافي، أو كما يُقال عادة عند الحديث عن السرطان: انحسار المرض. أكتب هذه الكلمات اليوم، قبل أيام قليلة من موعد فحصي الدوري بعد العملية.
في شهر يوليوز 2024، جاء التشخيص الحاسم. كان لدي موعد مع الطبيبة التي تابعت حالتي في أحد أكبر مستشفيات منطقة باريس، بعد شهر تقريبًا من عملية تنظير الرحم. كانت النتيجة قد ظهرت، وأصرّ صديق مقرّب جدًا على مرافقتي. في قاعة الانتظار، كانت مشاعري تتأرجح بين التشاؤم وخيط رفيع جدًا من التفائل. كنت أرجو أن تعود الأمور إلى طبيعتها، وأن يخبروني بأن النسيج الذي استُؤصل أثناء العملية لم يكن خبيثًا.
لكن ما إن فتحت الطبيبة باب العيادة حتى انطفأت شعلة الأمل في داخلي. كانت تعابير وجهها جامدة، أو هكذا حاولت أن يبدو، بينما حملت نبرة صوتها شيئًا من الرسمية التي كانت تنذر بما سيأتي. وما إن جلست أمامها حتى كنت قد هيأت نفسي لسماع الأسوأ.
قالت لي تلك العبارة التي كثيرًا ما نسمعها في الأفلام:
“مدام رضوان، لدي خبر جيد وآخر سيئ…”
لم يعد يهم بأيّهما ستبدأ. في تلك اللحظة، شعرت، على نحو غريب، بشيء يشبه الارتياح. إحساس متناقض بالنظر إلى فداحة الخبر، لكنه كان يعني نهاية أربعة أشهر من القلق والانتظار والعذاب الداخلي، منذ زيارتي الأولى للطبيب في مارس 2024، خلال شهر رمضان.
كان الطبيب، بعد فحص روتيني وتصوير بالموجات فوق الصوتية، أول من نطق بكلمة “سرطان” دون أي تمهيد أو مراعاة. كانت الكلمة كضربة مطرقة هوت على رأسي، أفقدتني توازني. أمضيت بعدها ثلاث ليالٍ بلا نوم، وانقطعت عن الطعام تمامًا، لا رغبة لدي في الأكل ولا قدرة عليه، حتى تقلصت معدتي وكدت أموت جوعا، بينما كان السرطان مجرد احتمال… يا للمفارقة!
في ذلك اليوم من يوليوز، كان الخبر السيئ هو أن الأنسجة المستأصلة كانت بالفعل سرطانية، أما الخبر الجيد فكان أن المرض اكتُشف في مرحلة مبكرة. حاولت الطبيبة أن تطمئنني، وقالت إن السرطان لا يزال في بداياته، وإنني أحسنت حين لم أتأخر في طلب العلاج.
لكن بالنسبة لشخص مثلي يعاني من قلق مفرط تجاه المرض، لم تكن تلك الكلمات مطمئنة أبدًا. اشتعل رأسي بالأسئلة. وبينما كان صديقي يحاول فهم ما تشرحه الطبيبة، كنت أنا أسأل عن البروتوكول العلاجي: هل سأخضع للعلاج الكيميائي؟ للعلاج الإشعاعي؟ كان ذلك أكبر مخاوفي.
ثم جاءت الكلمات الأكثر قسوة:
استئصال كامل للرحم.
إزالة الجهاز التناسلي بالكامل.
في كل الأحوال، في مثل سنك لم يعد له أي وظيفة.
ربما كان ذلك صحيحًا من الناحية الطبية، لكنه كان موجعًا من الناحية الإنسانية والنفسية. فالعملية ليست مجرد تدخل جراحي، بل اقتحام عميق لخصوصية المرأة، ثم يأتي التبرير القاسي: لقد تقدمتِ في السن، ولم تعودي قادرة على الإنجاب.
والمفارقة الأكثر إيلامًا أن أحد عوامل الخطر التي يذكرها الأطباء لهذا النوع من سرطان بطانة الرحم، الذي يصيب غالبًا النساء بعد سن اليأس، هو عدم الإنجاب.
وهنا لا يسعني إلا أن أفتح قوسًا كبيرًا: ما يثير غضبي حقًا أنه، في القرن الحادي والعشرين، ومع كل ما بلغته العلوم والطب من تقدم، لا يزال يقال لنا إن الأسباب الحقيقية للسرطان غير معروفة، وإن الأمر يشبه “اليانصيب”!
ها أنتِ لم تُنجبي أطفالًا، فتزداد احتمالات إصابتك بسرطان بطانة الرحم. وها أنتِ أصبحتِ كبيرة في السن، فيُستأصل عضو قيل لك إنه لم يعد ذا فائدة…
يُنتزع رحمك، مركز تكوين الحياة، فتبدأ المعدة والأمعاء بالبحث داخل جسدك عن مكان جديد، وعن توازن جديد.
تشعرين وكأن أحشاءك قد أُفرغت منك، فتفقدين بوصلتك العاطفية، ويختل إحساسك بنفسك
تصبحين مبتورة، مجروحة، تعيشين بقاءً أكثر منه حياة، بقاءً للجسد والروح معًا.
ثم تبدأ مرحلة المراقبة الطبية الصارمة، ثلاث سنوات وربما سبعا، بحسب تطور الحالة، حيث تعودين بانتظام إلى زيارة الطبيب خوفًا من انتكاسة أو عودة المرض، وكأنك تؤدين واجب الحضور الإجباري، مثل سجين سابق يُفرض عليه إثبات وجوده.
في منتصف أكتوبر 2026 سأحتفل بعيد ميلادي الثاني والستين، وسأكون قد أتممت عامين على العملية.
ويقال إن هذين العامين هما الزمن اللازم للحداد على ما فقدته، وللتصالح مع الجسد، ولمنح النفس الإذن بأن تعيش من جديد… أو على الأقل، بأن تجرؤ على الأمل.
