زينة الداودية… أنتِ واعرة… أنتِ دونجي

بسمة نسائية / عزيزة حلاق

لا يمكن الحديث عن الأغنية الشعبية المغربية الحديثة دون التوقف عند تجربة زينة الداودية، الفنانة التي استطاعت أن تشق طريقها بثبات في عالم فني شديد التنافس، وأن تفرض اسمها بموهبتها واجتهادها، لا بالضجيج أو افتعال الجدل.

تميزت زينة الداودية بصوت قوي وحضور لافت، كما أتقنت العزف على الكمان منذ سنواتها الأولى، فكانت هذه الآلة الموسيقية رفيقة دربها نحو النجومية. ولم تكتف بالغناء، بل شاركت في كتابة عدد من أعمالها، ما منح أغانيها صدقًا خاصًا وجعلها أكثر قربًا من نبض الناس وهمومهم وأفراحهم.

أعترف لكِ سيدتي، أنكِ “واعرة” بكل ما تحمله الكلمة من قوة في تعبيرنا الشعبي. وأنا من المعجبات بمسارك الفني وبشخصيتك التي صنعت نجاحها بالعمل والمثابرة. كما يعجبني اختيارك لمواضيع أغانيك، وأسلوبك المتفرد على الخشبة، وأنتِ تمسكين بالكمان وتعزفين عليه بحرفية وشغف، حتى يبدو وكأنه يتكلم بلسانك ويترجم إحساسك للجمهور. فهناك من يغني، وهناك من يملأ المسرح حضورًا وطاقة، وأنتِ من هذا الصنف الذي يعرف كيف يصنع الفرجة ويمنح الأغنية الشعبية روحًا متجددة دون أن يفقدها أصالتها.

وراء هذا النجاح قصة كفاح طويلة. فقد عاشت الفنانة طفولة صعبة، واختبرت ظروفًا قاسية جعلتها تواجه الحياة مبكرًا. لم تكن الطريق مفروشة بالورود، بل كانت مليئة بالتحديات والعقبات، لكنها اختارت الصبر والعمل الدؤوب بدل الاستسلام. خطوة بعد أخرى، استطاعت أن تبني اسمها الفني وأن تحول المعاناة إلى قوة تدفعها نحو التميز.

وما يلفت في مسيرة زينة الداودية أيضًا أنها ظلت، في معظم محطاتها، بعيدة عن الصراعات الصغيرة والحوارات التافهة التي تستنزف الفنان وتبعده عن جمهوره. فاختارت أن تتحدث من خلال أعمالها الفنية، وأن تجعل نجاحها على المسرح وفي قلوب محبيها الرد الحقيقي على مختلف التحديات.

تنقلت الداودية بين أنماط موسيقية متعددة داخل الأغنية الشعبية المغربية، وأظهرت قدرة لافتة على التجديد مع الحفاظ على جذورها الفنية. لذلك نجحت في الوصول إلى جمهور واسع من مختلف الأعمار، وأصبحت من أبرز الأصوات النسائية التي ساهمت في تجديد الأغنية الشعبية وإخراجها من إطارها التقليدي إلى فضاءات أرحب، حتى استحقت أن توصف بأنها من الأصوات التي أعادت للأغنية الشعبية المغربية بريقها وحضورها القوي.

إن قصة زينة الداودية ليست فقط قصة فنانة حققت الشهرة، بل هي قصة امرأة آمنت بموهبتها، وواجهت قسوة الحياة بشجاعة، وحولت الألم إلى أغنيات تحفظها الذاكرة ويرددها الجمهور. إنها نموذج للإصرار الذي ينتصر في النهاية، وللفن الذي يولد من رحم المعاناة ليمنح الآخرين الفرح والأمل.

وسيكون لعشاق هذه الفنانة موعد متجدد مع صوتها وإبداعها خلال فعاليات المهرجان الوطني للفنون الشعبية بمدينة مراكش، حيث ينتظر أن تضفي على ليالي المهرجان دفئا خاصًا، وأن تؤكد مرة أخرى أن الفنان الحقيقي هو الذي يظل قريبًا من جمهوره مهما اتسعت دائرة النجاح.

 

 

Exit mobile version