من مسرح الحياة إلى خشبة المسرح: نساءٌ كتبن أدوارهن في الواقع، ثم صعدن بها إلى الخشبة

تياترو النساء”.. حين يمنح المسرح صوتًا لمن يعملن في الظل

“تياترو النساء” تجربة إنسانية متفردة، انطلقت من حكايات نساء يعبرن الممرات كل يوم، يعشن بين طلبة وأساتذة المسرح، ينظفن المكاتب والقاعات في صمت، ويتابعن أحيانًا بروفات العروض من بعيد، دون أن يلتفت إليهن أحد.

ومن حكايتهن البسيطة والعميقة وُلد مشروع “تياترو النساء”، تجربة تعيد الاعتبار للإنسان قبل الوظيفة، وللكرامة قبل الصورة، وللصوت الذي ظل طويلًا في الهامش.

هنا لا يقتصر دور المسرح على الترفيه أو الفرجة، بل يتحول إلى فضاء للاعتراف والإنصات والتقدير، وإلى جسر يربط بين عوالم قد تبدو متباعدة داخل المجتمع الواحد. إنه مسرح يمنح الكلمة لمن اعتدن أداء أدوارهن اليومية بعيدًا عن الأضواء، ويجعل من تجاربهن مادة للإبداع والتأمل والحوار.

ولذلك، فإن قيمة هذا المشروع لا تُقاس بعدد المتفرجين الذين سيملؤون القاعة، بل بعدد النساء اللواتي سيغادرن الخشبة وهن أكثر ثقة بأن قصصهن تستحق أن تُروى، وأن أصواتهن جديرة بأن تُسمع. فحين ينصت المجتمع للمهمشين، لا يكتشفهم فقط، بل يكتشف جزءًا من إنسانيته أيضًا. وتلك بالضبط هي الرسالة التي حملها عرض “الزمان”: أصوات ومشاهد وحكايات خرجت من الهامش لتحتل مكانها المستحق في قلب الحكاية.

من مسرح الحياة إلى خشبة المسرح، انتقلت نساء اعتدن العمل كعاملات نظافة حملن معهن إلى الركح ما هو أثمن من أي نص مكتوب: قصصهن الحقيقية مع الزمان، أحلامهن المؤجلة، وذكرياتهن، وأوجاعهن، وانتصاراتهن الصغيرة. تجارب إنسانية كثيفة اختُزلت في عبارة شعبية بسيطة وعميقة في الآن ذاته: “الزمان وما دار لي”، لتصبح مدخلًا إلى بوح جماعي يروي سيرة نساء صنعهن الزمن بقدر ما قاومن تقلباته.

على مدى العرض، لم تكن الشخصيات متخيلة، ولم تكن الحكايات مكتوبة بقلم مؤلف. كانت كل امرأة تروي جزءًا من حياتها، وتمنح الجمهور فرصة الاقتراب من عالم قلما يلتفت إليه الناس. بين السرد والصمت، بين الضحك والبكاء وبين الغناء والرقص، تحولت الخشبة إلى فضاء للاعتراف والإنصات، وإلى جسر يربط بين الفن والحياة.

وكان من أجمل المشاهد وأكثرها دلالة أن يرتدي طلبة المعهد بدلات عاملات النظافة ويتولوا تنظيف المكان، فيما اعتلت العاملات الخشبة ليروين حكاياتهن. لحظة رمزية قلبت الأدوار، وأعادت الاعتبار لنساء يساهمن يوميًا في راحة الآخرين دون أن ينتبهن غالبًا إلى أن لهن أيضًا أحلامًا تستحق أن تُروى.

ومن بين أكثر اللحظات تأثيرًا، شهادة السيدة فاطمة التي فقدت ابنتها وهي في السابعة عشرة من عمرها. سنوات طويلة مرت وهي عاجزة عن الحديث عنها أو استحضار ذكراها بصوت مرتفع. لكن على الخشبة، وجدت الشجاعة لتفتح جرحها أمام الجمهور. بكت، وتكلمت، واستعادت ابنتها بالكلمات والدموع. وبعد ذلك، قالت إنها تشعر براحة كبيرة، وكأنها تخلصت من عبء ظل يثقل قلبها لسنوات. هنا لم يكن المسرح مجرد عرض فني، بل مساحة للتحرر من الصمت، ومصالحة مع الذاكرة، ونافذة للشفاء.

في زمن تتجه فيه الفنون أكثر فأكثر نحو الانخراط في قضايا المجتمع والإنسان، يبرز مشروع “تياترو النساء” (Théâtronissae) بوصفه تجربة مسرحية وإنسانية استثنائية، نجح من خلالها طلبة المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي في تحويل حكايات نساء بسيطات إلى فعل إبداعي نابض بالحياة..

ويأتي هذا المشروع، الذي احتضنه المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي (ISADAC)، ثمرة عمل جماعي أشرف عليه الفنان والمخرج والكاتب والمنتج السينمائي المغربي أيوب أيت بيهي، ونفذه طلبة السنة الرابعة في تخصصي التنشيط الثقافي والسينوغرافيا، في تجربة تجمع بين التكوين الأكاديمي والالتزام الإنساني، وتؤكد أن المسرح ليس مجرد فرجة، بل فضاء للإصغاء والتعبير وإعادة بناء الثقة بالنفس.

خصوصية هذا المشروع تكمن في اختياره تسليط الضوء على النساء العاملات في النظافة، داخل المعهد، اللواتي يشكلن جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية للمؤسسة، لكنهن غالبًا ما يبقين بعيدات عن دائرة الاهتمام والاعتراف. ومن خلال سلسلة من الورشات المسرحية التي شملت العمل على الجسد والصوت والتعبير، إضافة إلى جلسات للإنصات النفسي أشرفت عليها مختصة، تم فتح المجال أمام المشاركات لسرد تجاربهن وقصصهن الإنسانية بكل ما تحمله من معاناة وأحلام وتحديات. ومن هذه الشهادات الحية وُلد النص المسرحي الذي قدم للجمهور اليوم، حاملاً بصمات هؤلاء النساء وذاكرتهن وتجاربهن الشخصية.

ولا تقتصر أهمية “تياترو النساء” على نتيجته الفنية فحسب، بل تمتد إلى منهجيته التربوية والاجتماعية. فقد انخرط الطلبة في مختلف مراحل المشروع، من تصميم الورشات والتأطير إلى إعداد السينوغرافيا والتوثيق والتواصل، ما جعلهم فاعلين حقيقيين في تجربة ميدانية تضع الفن في خدمة الإنسان. وهكذا تحول المشروع إلى مختبر حي للمسرح المجتمعي، حيث يلتقي التكوين الأكاديمي بالفعل الثقافي المؤثر في الواقع.

وقد حظي المشروع بمواكبة ودعم إدارة المعهد، تحت إشراف لطيفة أحرار، إلى جانب مختلف الأطر الإدارية والتربوية، في تجسيد لرؤية تجعل من المؤسسة الجامعية فضاءً للإبداع والمواطنة والانفتاح على القضايا الإنسانية.

إن “تياترو النساء” ليس مجرد عرض مسرحي عابر، بل هو فعل اعتراف واحتفاء بإنسانية نساء اخترن أن يروين قصصهن بأنفسهن. وهو أيضًا رسالة قوية حول قدرة الفن على ترميم الثقة، واستعادة الكرامة، وبناء الجسور بين الأفراد والمؤسسات.

ففي هذا المشروع، لا تقف المرأة العاملة موضوعًا للفرجة، بل تصبح صاحبة الحكاية وصوتها، فيما يتحول المسرح إلى مساحة للإنصات والتقدير والاحتفاء بالإنسان قبل أي شيء آخر.

إنها تجربة تؤكد أن المسرح حين يقترب من الناس، ويمنح الكلمة لمن لا تُسمع أصواتهم عادة، يصبح أكثر من فن؛ يصبح فعلًا إنسانيًا يضيء ما ظل طويلًا في الظل.

Exit mobile version