حين تُسوَّق الأرقام… ويغيب الأثر

بقلم: ميمونة الحاج داهي

مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية ونهاية الولاية الحكومية، يعود تسويق الأرقام المتضخمة لتصوير حصيلة مكتملة، فيغرق النقاش في الكم ويغيب السؤال الجوهري// ماذا تغير فعليا في حياة الناس؟ وعلى هذا الأساس يفرض ملف الدعم المباشر نفسه؛ فهل نحن أمام سياسة تُخفف الهشاشة أم تعيد إنتاجها؟ لأن التحويلات النقدية، مهما بلغ حجمها، لا تُقاس بما صُرف فيها، بل بما أحدثته من أثر حقيقي. أول معطى يجب تثبيته هو “الدعم النقدي لا يخلق دخلا”..

الأسرة التي تتلقى تحويلا شهريا لا تصبح منتِجة أكثر، ولا تتحسن قابليتها للاندماج في سوق الشغل تلقائيا. الذي يحدث هو تعويض جزئي لفجوة الدخل. هذا يعني أن وضعية الأسرة تظل مرتبطة باستمرار الدعم، لا بقدرتها الذاتية. أي انقطاع أو تقليص يعيدها مباشرة إلى نقطة البداية. هذا ليس استنتاجا نظريا، بل خاصية معروفة لكل سياسات التحويلات غير المرتبطة بالإدماج الاقتصادي. والأدهى أن توسيع عدد المستفيدين يُقدم كنجاح، لكن في الحقيقة إذا ارتفع عدد الأسر التي تحتاج دعما دوريا، فذلك يعني أن قاعدة الهشاشة لم تتقلص..

فالمؤشر الحقيقي لأي سياسة اجتماعية هو: هل ينخفض عدد المحتاجين بمرور الوقت؟ في غياب هذا الانخفاض، نحن أمام نظام إدارة للفقر وليس تقليصا له. وسؤال آخر لا يقل أهمية: أين مسار الخروج؟ أي سياسة دعم فعالة تتضمن آلية انتقال، ربط الدعم بالتكوين، وربطه بفرص الشغل، أو تقليصه تدريجيا مع تحسن الدخل..

في الحالة الحالية، الدعم يُصرف كتحويل مستقل، دون مسار واضح يُخرج المستفيد منه. النتيجة أن العلاقة مع الدولة تصبح علاقة دائمة قائمة على التحويل، لا على الإدماج. مما يحيلنا على السؤال عن الأثر الاقتصادي الكلي.

فالتحويلات النقدية ترفع الاستهلاك على المدى القصير، لكنها لا تضمن خلق قيمة مضافة إذا لم تُرافقها دينامية إنتاج. في اقتصاد يعاني أصلا من محدودية خلق فرص الشغل، هذا النوع من السياسات قد يحافظ على الاستقرار، لكنه لا يغير البنية (مخدر مؤقت ليضمن مرور ولايتهم في زمن هادئ).. يا أيها “المرقمون” الدعم المباشر أداة ضرورية لتخفيف الضغط الاجتماعي، لكنه ليس سياسة لمحاربة الفقر إذا لم يُدمج في مسار إنتاجي واضح. وإذا بقيت نفس الأسر في حاجة إليه كل سنة، فالمشكل لم يُحل، بل تمت إدارته فقط.

وكما قال المثل الصيني لا تعطيني سمكة، بل علمني كيف أصطادها.. كذبت الأرقام حين صيغت لتُضلّل، ولن تُصدَّق ما لم يُثبتها الأثر في حياة الناس.

Exit mobile version