المحكمة الرمزية للنساء… شهادات موجعة تكشف الوجه القاسي للعنف الرقمي

 العنف الرقمي وصوت النساء… معركة الحماية التي لا تزال مفتوحة

بسمة نسائية/ مراكش

بقلم: خولة العلوي المدغري

 مع شكر خاص للصحفية رجاء خيرات

حظيتُ، ولأول مرة، بفرصة حضور الدورة الثالثة والعشرين لـ “المحكمة الرمزية للنساء”، التي ينظمها سنوياً اتحاد العمل النسائي، والتي جرت هذه السنة بمدينة مراكش، وخُصصت لموضوع العنف الرقمي ضد النساء والفتيات، تحت شعار: “جميعاً من أجل فضاء رقمي آمن يضمن الحماية والكرامة للنساء”.

وكانت هذه أكثر من مجرد لقاء حقوقي أو نقاش قانوني؛ لقد بدت لحظة مواجهة حقيقية مع واحد من أكثر أشكال العنف المعاصر تعقيداً واتساعاً.

ما جعل التجربة مؤثرة ليس فقط قوة المداخلات التي قدمتها محاميات وناشطات وخبيرات في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، بل خصوصاً تلك الشهادات الإنسانية التي كشفت كيف تحوّل الفضاء الرقمي، الذي يفترض أن يكون مساحة للتواصل والتعبير، إلى مصدر خوف وابتزاز وعزلة بالنسبة لعدد كبير من النساء.

لقد أكدت الشهادات أن العنف الرقمي لم يعد ظاهرة هامشية أو حالات معزولة، بل أصبح واقعاً يومياً يمس نساء من مختلف الأعمار والخلفيات الاجتماعية، بما في ذلك نساء تجاوزن الستين من العمر.

وتعددت صور هذا العنف بين التحرش الإلكتروني، والابتزاز الجنسي، ونشر الصور أو الفيديوهات الخاصة دون موافقة، وانتحال الهوية، واختراق الحسابات، والتشهير، وصولاً إلى حملات منظمة من الكراهية والتحريض تستهدف خصوصاً الناشطات والصحافيات والسياسيات.

ومن بين أكثر اللحظات إيلاماً، شهادات نساء تحدثن عن الثقة التي تحولت إلى فخ.

إحداهن وجدت نفسها خلف القضبان بعد نشر فيديوهات خاصة جمعَتها بشخص فرّ لاحقاً إلى خارج البلاد، فيما فقدت أخريات وظائفهن أو تضررت علاقاتهن الأسرية والاجتماعية بعد التلاعب بصورهن ونشرها على نطاق واسع. كما روت فتيات مراهقات كيف تحولت رسائل أو صور أُرسلت في سياق عاطفي خاص إلى مصدر ضغط نفسي وعزلة داخل الأسرة.

هذه الشهادات أعادت طرح أسئلة شديدة الحساسية حول العلاقات الإنسانية في العصر الرقمي:

أين ينتهي الحق في التعبير عن المشاعر وبناء العلاقات؟ وأين تبدأ الحاجة إلى الحذر والحماية الذاتية داخل فضاء لا ينسى شيئاً، ويمكن فيه لأي صورة أو رسالة أن تتحول في لحظة إلى أداة ابتزاز أو تشهير؟

ورغم أن الثورة الرقمية فتحت آفاقاً مهمة أمام النساء في مجالات التعبير والعمل والتواصل، فإنها أفرزت في المقابل أشكالاً جديدة من العنف القائم على النوع الاجتماعي، بعضها بات أكثر تعقيداً مع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي والتزييف الرقمي.

وخلال النقاش، شددت المشاركات على وجود فراغ قانوني يتعلق بالاعتراف الصريح بالعنف الرقمي المبني على النوع، خصوصاً ذلك المدعوم بتقنيات الذكاء الاصطناعي، مع غياب آليات متخصصة وفعالة لحماية الضحايا.

كما تعرض قانون مناهضة العنف ضد النساء لانتقادات بسبب عدم تطرقه بشكل واضح لهذا النوع من الانتهاكات، رغم اتساعه وخطورته.

الأرقام التي تم عرضها خلال اللقاء كانت بدورها مقلقة.

فوفق معطيات رسمية، تعرضت 13,8 في المائة من النساء المغربيات ما بين 15 و74 سنة للعنف الإلكتروني، فيما ترتفع النسبة إلى 24,4 في المائة لدى الشابات بين 15 و24 سنة. أما الفتيات العازبات فتصل النسبة في صفوفهن إلى 30,1 في المائة، بينما تبلغ لدى التلميذات والطالبات 35,7 في المائة.

لكن الأخطر ربما، أن نسبة التبليغ عن هذه الاعتداءات لا تتجاوز 10 في المائة من مجموع الحالات، بسبب الخوف من الوصم الاجتماعي، أو من الانتقام، أو بسبب الجهل بالقانون وآليات التبليغ، وهو ما يفتح الباب واسعاً أمام الإفلات من العقاب.

ورغم المجهودات التي بذلتها الحركة النسائية والحقوقية في المغرب، سواء عبر الترافع أو الضغط أو التحسيس، والتي ساهمت في كسر الصمت حول العنف ضد النساء ودفع الدولة إلى اعتماد تشريعات وسياسات عمومية، فإن الإحساس الذي ظل حاضراً بقوة خلال هذا اللقاء هو أن المسافة ما تزال كبيرة بين وجود النص القانوني وبين الحماية الفعلية على أرض الواقع.

فالعديد من الضحايا أكدن أن شكاياتهن ظلت عالقة وسط بطء المساطر وتعقيد الإجراءات، وأن العدالة الرقمية لا تزال أبطأ من سرعة الانتهاك نفسه.

وهو ما يجعل النساء يعشن نوعاً من فقدان الأمان حتى داخل حساباتهن الشخصية وهواتفهن وصورهن الخاصة.

 ما يجعل هذا الملف أكثر تعقيداً هو أنه لا يمكن اختزاله في ثنائية الضحية والجاني فقط، بل يرتبط أيضاً بثقافة مجتمعية كاملة، وبعلاقة مضطربة مع التكنولوجيا، وبفجوة حقيقية في التربية الرقمية والوعي القانوني والحماية النفسية.

لذلك، بدا واضحاً خلال هذه المحكمة الرمزية أن المعركة اليوم لم تعد فقط من أجل معاقبة الجناة، بل أيضاً من أجل بناء وعي جماعي جديد يضمن للنساء حقهن في التعبير والحضور داخل الفضاء الرقمي دون خوف، ويجعل من التكنولوجيا أداة للتحرر لا وسيلة إضافية للعنف.

ويبقى الأهم، ربما، أن هذه الأصوات النسائية التي ظلت لسنوات حبيسة الصمت بدأت تجد طريقها إلى العلن.

ومع كل شهادة تُروى، وكل امرأة تجرؤ على الكلام، يتشكل وعي جديد بحجم هذا العنف، وبالحاجة الملحة إلى فضاء رقمي أكثر أماناً وعدالة وكرامة للنساء.

 

Exit mobile version