وسط ضجيج الدراما الرمضانية… تبرز حكاية نرجس

حديث بسمة/ عزيزة حلاق

أمام تراكم الخيبات في المسلسلات الرمضانية خلال المواسم الماضية، قررت منذ مدة مقاطعة التلفزيون طوال شهر رمضان. أصبح بالنسبة لي مجرد قطعة من ديكور الغرفة، لا أكثر. واكتفيت بالتلصص، بين حين وآخر، على ما يكتبه النقاد ورواد وسائل التواصل الاجتماعي عن البرامج الرمضانية.

ومن بين ذلك الكمّ الهائل من المسلسلات المصرية، التي يكرّس كثير منها للابتذال والضجيج والصراخ، لفت انتباهي شبه إجماع ـ إن لم أقل إجماعًا ـ على تفرّد مسلسل “حكاية نرجس” بوصفه عملاً متكاملاً ناجحاً على مستوى الإخراج، والكتابة والتصوير والإضاءة والكاستينغ، وكان التنويه الأكبر بأداء الفنانة ريهام عبد الغفور.

أمام هذا الإجماع اللافت حول حكاية نرجس، وجدت نفسي أتساءل: ما الذي يجعل عملاً درامياً يحظى بكل هذا التقدير في زمن أصبحت فيه الدراما سباقاً محموماً نحو الإثارة السطحية؟ ربما لأن العمل، كما بدا من خلال ما كُتب عنه، اختار أن يراهن على ما تخلّت عنه كثير من الأعمال الأخرى: قوة الحكاية، وصدق الشخصيات، واحترام ذكاء المشاهد. ولم يكن مستغرباً أن يتوقف كثيرون عند أداء ريهام عبد الغفور، الذي قيل إنه أعاد التذكير بأن التمثيل الحقيقي لا يحتاج إلى صراخ ولا مبالغة، بل إلى حسّ إنساني دقيق وقدرة على الإمساك بتفاصيل الشخصية من الداخل.

وهكذا، وبين عشرات الأعمال التي تمرّ مرورا عابرا، يبدو أن هذا المسلسل استطاع أن يخلق لحظة نادرة من التوافق بين النقاد والجمهور. لحظة تعيد طرح سؤال قديم يتجدد كل رمضان: هل المشكلة في الجمهور الذي يقال إنه يطلب السهل والمبتذل، أم في صناع الدراما الذين يعتقدون ذلك فيقدمون له ما يسيء إلى ذائقته؟

في تجربتها الأخيرة، تؤكد ريهام عبد الغفور مرة أخرى أنها لم تعد مجرد ممثلة موهوبة، بل فنانة تكتب لنفسها سطرًا متقدمًا في كتاب الفن المصري. أداؤها في حكاية نرجس يكشف عن مرحلة نضج فني واضحة، حيث تتحول الشخصية بين يديها إلى كائن حيّ، معقد ومربك، يضع المشاهد أمام سؤال أخلاقي وإنساني صعب: كيف يمكن للإنسان أن يتعامل مع فعلٍ إجرامي حين يصبح مفهومًا أو قابلاً للتعاطف؟

تدور الأحداث حول نرجس، امرأة مطلقة تعاني من ضغوط اجتماعية ونفسية بسبب طلاقها وعجزها عن الإنجاب.

تتزوج نرجس من حبيبها القديم، رغم رفض عائلته لها بسبب شائعات العقم..

تحت وطأة النظرة المجتمعية القاسية، تنزلق نرجس في منحدر من الأكاذيب يبدأ بتوهيم زوجها الجديد بأن العيب منه، وبأنها قادرة على احتواء هذا السر وبكثير من المكر الأنثوي والعاطفي، تقنعه بادعاء أنها حامل وهكذا تسقط في دائرة من جرائم اختطاف الأطفال في محاولة يائسة لتشييد أسرة وهمية تمنحهما الاستقرار..

ما قدمته ريهام في هذا العمل، ليس مجرد تمثيل، بل بناء دقيق لشخصية تتأرجح باستمرار بين الضعف والجبروت، بين الخير والشر، بين الشعور بالذنب ومحاولة تبرير الخطأ. إنها امرأة تحاول شرعنة أفعالها، وتبحث لنفسها عن مخارج نفسية وسط ضغوط اجتماعية وعائلية خانقة. لهذا يجد المشاهد نفسه في مفارقة عجيبة: يدين الفعل، لكنه يتعاطف معها.

أحد أكثر المشاهد قوة هو تلك اللحظة التي تترك فيها حماتها تموت. في عينيها نظرة جبروت باردة، كأنها حسمت القرار. لكن بعد لحظات فقط يظهر خوفٌ خفي، خوف من الفعل نفسه ومن انعكاسه عليها. هذا التبدل السريع في الحالة النفسية ليس سهلًا في الأداء، لأنه يتطلب تحكمًا دقيقًا في الإحساس وتفاصيل التعبير. وقوة ريهام تكمن في التفاصيل الصغيرة.

لهذا السبب بدت شخصية نرجس صعبة التشخيص للغاية. فهي لا تتحرك بخط مستقيم، بل تتقلب نفسيًا بين كل مشهد وآخر، بين لحظة ضعف إنساني ولحظة قسوة تكاد تكون صادمة. هذه القدرة على الانتقال بين الحالات الشعورية دون افتعال هي ما يمنح الأداء صدقه.

اللافت أيضًا أن هذا الدور يأتي ضمن سلسلة من الاختيارات الذكية في مسيرة ريهام عبد الغفور. اختيارات تقول بوضوح: بأنها فنانة واعية بمسارها، تعرف كيف تصنع لنفسها مكانًا مختلفًا في الدراما المصرية.

برافو ريهام عبد الغفور… أداء  شخصية نرجس، يؤكد أنكِ تستحقين عن جدارة لقب نجمة دراما رمضان 2026.

كلمة لا بد منها: لم أكتب عن أي عمل درامي مغربي. ورغم أنني كوّنت فكرة أولية عن بعض الأعمال، فإنها ـ في تقديري ـ لم ترقَ إلى المستوى الذي يليق بالدراما المغربية المطلوبة. بل إن بعض من كتبوا عنها لم يخفوا ملاحظاتهم النقدية، وأحيانًا حتى من وردت أسماؤهم ضمن تلك الأعمال عبّروا، بشكل أو بآخر، عن عدم رضاهم عنها. (أخص بالذكر السيناريست بشرى ملاك والجزء الثاني من مسلسل رحمة).

لذلك آثرت أن أرحم أعصابي، وأن أعفي نفسي من متابعتها. فأنا لا أكتب إلا عن عمل يوقظ فيّ الرغبة في الكتابة، ويستفز المعنى.

#حكاية_نرجس

#ريهام_عبد_الغفور

#الدراما_الرمضانية

#الدراما_المصرية

#نقد_الدراما

#مسلسلات_رمضان

Exit mobile version