فراس السواح:تفكيك السرديات المؤسسة وفتح أفق جديد لقراءة الإسلام

بقلم: شكيب حلاق*

إن التفكير في الإسلام في بداياته يفرض تجاوز السرديات التمجيدية كما اليقينيات العقائدية، والنظر إليه بوصفه ظاهرة تاريخية وثقافية ورمزية. في هذا الأفق يندرج عمل المفكر السوري فراس السواح، الذي يجمع في مقاربته بين النقد التاريخي، وفقه اللغة، وأنثروبولوجيا المقدّس. فبالنسبة إليه، كل دين هو في آنٍ واحد تجربة روحية وبناء إنساني، تشكّل ضمن سياقات اجتماعية وسياسية ورمزية محددة.
إعادة قراءة الإسلام: فراس السواح في مواجهة الأساطير المؤسسة
يدعو المفكر السوري فراس السواح إلى إعادة التفكير في الإسلام بوصفه ظاهرة تاريخية وثقافية، لا مجرد منظومة عقائدية مكتملة منذ لحظة التأسيس. فمقاربته تمزج بين النقد التاريخي، وفقه اللغة، وأنثروبولوجيا المقدّس، انطلاقًا من فكرة أساسية: كل دين هو في آن واحد تجربة روحية عميقة وبناء إنساني تشكّل داخل سياقات اجتماعية وسياسية محددة.
في كتابه «الوحي والنص»، يميّز السواح بين لحظة الإيمان الأولى بوصفها دفعة روحية مؤسِّسة، وبين الصياغات العقائدية التي تبلورت لاحقًا، خصوصًا في القرن الثاني الهجري، حين أصبحت مسألة تثبيت السلطة وتحديد الأرثوذكسية أولوية سياسية. فالنسخة السائدة من الإسلام، في نظره، هي ثمرة عمل الذاكرة الجماعية والتقنين المذهبي، وليست انعكاسًا مباشرًا للتجربة النبوية الأصلية. من هنا، لا يمكن قراءة النص القرآني بمعزل عن السياق الذي أعاد تشكيله وتأويله عبر القرون.
ومن أكثر أطروحاته إثارة للجدل موقفه من السيرة النبوية. إذ يرى أن القسم الأكبر منها تشكّل في مراحل متأخرة، وامتزج فيه التاريخ بالأسطورة، ما يجعل القرآن المرجع الأوثق لفهم شخصية النبي. لا يعني ذلك رفض التراث برمّته، بل إخضاعه لمنهج نقدي يميّز بين التجربة الأولى وبناء الأرثوذكسية في العهدين الأموي والعباسي، حيث تداخل الإيمان بالسياسة، وتشكل ما يمكن تسميته «إسلامًا رسميًا».
في قراءته لمكة قبل الإسلام، يذهب السواح إلى أنها لم تكن مدينة متكاملة، بل مركزًا طقسيًا يتمحور حول الكعبة. فالمكان، بحسب تصوره، كان فضاءً دينيًا تقصده القبائل، قبل أن يتحول تدريجيًا إلى مدينة. وهذا يعكس طبيعة شبه الجزيرة العربية آنذاك، باعتبارها فضاءً مفتوحًا عبرته اليهودية والمسيحية والمانوية وتقاليد أخرى، بعيدًا عن صورة الصحراء المعزولة ثقافيًا. أما وثنية قريش، فيصفها بأنها قائمة على الوساطة الروحية، حيث مثّلت الأصنام رموزًا لوسطاء، وكانت الكعبة مركزًا جامعًا يتقاطع فيه الديني بالاقتصادي والقبلي.
في ما يخص الوحي، يقدّم السواح قراءة رمزية تعتبره تجربة داخلية عميقة، صيغت بلغة بشرية داخل سياق ثقافي محدد. فالقرآن، رغم قداسته، متجذر في عالم لغوي ورمزي معين. وبهذا المعنى، يفرّق بين «محمد القرآن» ومحمد السيرة، ويرى أن الإسلام يندرج ضمن التاريخ الطويل للتوحيد في الشرق الأدنى، بوصفه إعادة صياغة لإرث ديني سابق، يمنح الرواية الإبراهيمية أفقًا إنسانيًا عالميًا.
سياسيًا، يرفض السواح فكرة أن النبي أسس دولة ثيوقراطية، معتبرًا أن جماعة المدينة قامت على ميثاق أخلاقي يضمن العدالة والتعاون بين مكوناتها. ويرى أن مفهوم «الدولة الإسلامية» بصيغته الصارمة حديث العهد، بل يذهب إلى أن أول تجسيد واضح له ظهر سنة 1979 مع قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية في إيران. ومع ذلك، فإن غياب مؤسسة كهنوتية مركزية في الإسلام أتاح تنوعًا فكريًا واسعًا، من المعتزلة إلى الصوفية، وأبقى باب الاجتهاد مفتوحًا أمام علاقة مباشرة بين المؤمن والإله.
أما في القضايا المعاصرة، فيثير السواح جدلًا واسعًا بقراءته التاريخية لمسألة الحجاب، إذ يعتبره تقليدًا اجتماعيًا تبلور في العصر العباسي أكثر مما هو فريضة قرآنية صريحة، ويرى أن آيات الحشمة تخاطب الرجال والنساء ضمن مبدأ أخلاقي عام. وهو ينتقد تحوّل بعض الأعراف إلى معايير مركزية للإيمان، في مقابل تهميش قيم قرآنية أساسية كالعدالة وحرية الضمير. بالنسبة إليه، تقديس الأعراف القديمة يجمّد الدين في الماضي ويجعله عاجزًا عن مواكبة تحولات المجتمعات.
وفي ما يخص الصلاة، يميّز بين الشكل والجوهر، مؤكدًا أن الصلاة الحركية تفقد معناها إن لم تترافق مع حضور داخلي وتأمل واعٍ. فالعلاقة بالمقدّس، في رأيه، تبدأ من التجربة الباطنية، لا من الامتثال الشكلي وحده.
لا يسعى السواح إلى تقويض الإيمان، بل إلى تحريره من الجمود، وجعله قادرًا على التفاعل مع الحداثة. وهو يرى أن أزمة العالم العربي تكمن في غياب الوعي التاريخي، وفي الخلط بين المقدّس والتأويل البشري. ومن خلال قراءته الجريئة، يفتح نقاشًا لا يقتصر على الأوساط الأكاديمية، بل يمتد إلى المجال الثقافي الأوسع، حيث يظل سؤال العلاقة بين الدين والتاريخ والحرية سؤالًا مفتوحًا على المستقبل.
*النص مترجم بتصرف عن موقع
Lecollimateur.ma
La chronique philo de Chakib Hallak. Relire l’islam : Firas Al-Sawwah face aux mythes fondateurs
#فراس_السواح
#إعادة_قراءة_الإسلام
#نقد_التراث
#الوحي_والنص
#تاريخ_الأديان
#الاجتهاد
#حرية_الضمير
#الفكر_الديني
#أنثروبولوجيا_المقدس
#الإسلام_والحداثة
#شكيب_حلاق



