انضموا لنا سيسعدنا تواجدكم معنا

انضمام
أسماء لا تُنسى

العروي والجابري:حين ينقسم العقل العربي على نفسه؟

من المغرب خرج مفكران هزا العقل العربي: عبد الله العروي ومحمد عابد الجابري. رجلان جمعتهما قضايا واحدة – الهوية، التراث، الحداثة – لكن فرّق بينهما طريقان لا يلتقيان.

العروي، المؤرخ الصارم والمنعزل، رأى أن السبيل الوحيد أمام العرب هو القطيعة الكاملة مع التراث والالتحاق المباشر بالحداثة الغربية. في كتابه الشهير الإيديولوجيا العربية المعاصرة وضع تشخيصًا صارمًا: وعي العرب مختنق، ونهضتهم ممكنة فقط بالتبني الكامل للنموذج الغربي. صرامته الفكرية كانت صادمة، لكنها فرضت على القارئ مواجهة سؤال صعب: هل نستطيع إنتاج حداثتنا بأنفسنا أم نحن محكومون بالاقتباس؟

الجابري، المناضل القريب من الناس، اختار مسارًا مختلفًا. غاص في الفكر العربي الإسلامي، من ابن رشد إلى ابن خلدون، مؤمنًا أن النهضة الحقيقية تبدأ من الداخل، من نقد التراث وإعادة قراءته. مشروعه نقد العقل العربي لم يكن مجرد تحليل، بل محاولة لبناء عقل عربي جديد يميز بين الممكن والمستحيل، ويستثمر إرثنا الفكري دون الاستسلام له.

الغريب أن الرجلين لم يلتقيا في مناظرة علنية. جدار الصمت بينهما ظل قائمًا، رغم أن أفكارهما تتواجه ضمنيًا في كل صفحة. العروي يرى خلاصنا في الغرب، والجابري يرى أنه في بعث عقلانية التراث.

في كتابه “نقد التاريخانية.. بين الجابري والعروي”، يرى الباحث المغربي خالد طحطح، أن الفكر التاريخي أو التاريخانية عند العروي تعني تفسير الوقائع الإنسانية بشروط تكوينها، ولا يتوانى عن وسم مذهبه هذا في كثير من كتاباته وحواراته باسم “الواقعية” أو “النفعية” أو “البراجماتية” أو “منطق السياسة” القائم على مفهوم “المصلحة”. وعليه، فألفاظ التاريخانية والعقلانية والليبرالية والنفعية هي تعابير وأوسام تتردد عنده كثيرا لتُحيل على أمر واحد هو الانتصار لدعوة الحداثة”؛ لكن “هذه الدعوة للحداثة القائمة على مفهوم التاريخانية الملتبس، جعلت كثيرين ينتقدون طروحاته، وكان الجابري أحدهم، بل هو أول من دخل في سِجال فكري مع المؤرخ عبد الله العروي.

ومن بين ما يضمه الكتاب تذكير بتزامن نقد الجابري للعروي مع سياق “التحضير للمؤتمر الاستثنائي للاتحاد الوطني للقوات الشعبية كمنظمة تُناضل من أجل الديمقراطية والعدالة والحداثة، وقد كان من المفيد -آنذاك- إثارة نقاش إيديولوجي على مستوى ثقافي يستقطب اهتمام الشباب، وكان الأستاذ العروي قد نشر حينئذ كتابه “العرب والفكر التاريخي” بالعربية وأجزاء منه بالفرنسية في كتابه “أزمة المثقفين”، يدعو فيه إلى مشروع إيديولوجي للمثقفين العرب قوامه استيعاب الفكر الليبرالي الغربي كما تبلور في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وتبني ماركسية تاريخانية، من أجل تكوين “نخبة مثقفة قادرة على تحديثها (الأمة العربية) ثقافيا وسياسيا واقتصاديا، ثم بعد تشييد القاعدة الاقتصادية يتقوى الفكر العصري ويُغذي نفسه بنفسه”.

في هذا الإطار، “نشر الأستاذ محمد الجابري أربع مقالات في نقد مشروع التاريخانية حاول فيها تِبيان تجاهُل العروي للتجارب النضالية التي خاضها المغرب، وكذا سكوته عن دور الاستعمار والاستعمار الجديد في قمع الحركات التحررية في العالم العربي ومجموع العالم الثالث. نشرت هذه المقالات النقدية في الصفحة الثقافية الأسبوعية لجريدة “المحرر” ما بين 15 دجنبر 1974 و5 يناير 1975، تحت يافطة: مع الأستاذ عبد الله العروي في مشروعه الإيديولوجي.

اليوم، بعد عقود من رحيل الجابري واعتزال العروي، يبقى السؤال: هل نهضتنا في استنساخ الغرب كما دعا العروي، أم في إعادة صياغة التراث كما رأى الجابري؟ أم أن الطريق الثالث، الذي يجمع بين صرامة العروي وعمق الجابري، ما زال ينتظر أن نجرؤ على اختراعه؟

الجواب لم يأت بعد، لكنه ممكن أن يولد داخلنا نحن، إذا ما استمعنا للصرامة التاريخية للعروي وعمق النقد التراثي للجابري، وجرؤنا على ابتكار أفق جديد يليق بزماننا.

#الفكر_العربي

#الفلسفة_العربية

#العقل_العربي

#الحداثة

#تجديد_الفكر

#إصلاح_العقل

#عبدالله_العروي

#محمد_عابد_الجابري

#جدل_الفكر_العربي

 

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

عزيزة حلاق

مديرة مجلة بسمة نسائية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

تم اكتشاف Adblock المرجو وضع مجلة بسمة في القائمة البيضاء نحن نعول على ايرادات الاعلانات لاستمرارية سير المجلة. شكرا