تأنيث الخيانة وتذكير الغفران!

بقلم: ميمونة الحاج داهي
أراقب الضجة التي أثارتها قضية غيثة عصفور وأجد نفسي أقل انشغالا بالتفاصيل مما يهمني في الطريقة التي صيغ بها الخبر وتناوله الناس من اللحظة الأولى.. وضعت المرأة في قلب الحكاية.. بينما غاب الرجل الذي كان أصل الشكاية وشريكها الأساسي. بدا وكأن الخيانة فعل فردي مؤنث بطبيعته، بينما الشريك مجرد ظل يتوارى خلف الكواليس..
أكتب وأنا واعية أن القانون يعتبر الخيانة فعلا ثنائيا.. لا يكتمل إلا بوجود طرفين.. لكن في وعينا الجمعي نصرُّ على اختزاله في المرأة وحدها.. وكأن أجساد النساء ووجوههن أقدر على حمل العار، بينما الرجال يُقدَّمون غالبا كضحايا نزوات أو تُمحى أسماؤهم من السجلات.
هذا ليس مجرد انحياز عابر.. بل جزء من منظومة كاملة تسمى “اقتصاد العار”.. الإعلام والمنصات يعرفان جيدا أن الفضائح تُستهلك أكثر حين تكون بطلتها امرأة.. لذلك تُسلَّط الأضواء كلها على جسد واحد..وتُفتح أسواق النقرات والتعليقات على حسابه.. أما الرجل فيُترك في الظل بلا هوية تقريبا.
وأنا أتابع ردود الفعل في قضايا مشابهة أرى أن الغضب العام لا يقف عند النقد، بل يتجاوز إلى التشهير الجماعي: صور تُسرب تسجيلات تُتداول.. تفاصيل حميمية تُعرض على الملأ وكأن الفضاء الرقمي تحوّل إلى محكمة بلا قاض ولا دفاع، ولا معايير. المفارقة أن هذا السلوك الذي يُمارَس باسم “الأخلاق” يتحول هو ذاته إلى فعل اعتداء، وإلى عنف رمزي يترك ندوبه العميقة.
لكن الأعمق من ذلك كله هو ما تكشفه هذه القضية عنا كمجتمع.. نحن نبحث دائما عن قصص سهلة للفهم نعلّق عليها مكبوتاتنا ونفرّغ فيها غضبنا.. القضايا الكبرى مثل البطالة و التعليم و الصحة و السياسات العامة المعقدة تتطلب جهدا وتحليلا وصبرا، أما الفضيحة فهي بسيطة: امرأة/رجل وشبهة خيانة..نستهلكها بسرعة ونشعر أننا مارسنا “العدالة” بضغط زر وتعليق غاضب.
أسأل نفسي: لماذا نصرُّ على تأنيث الخطيئة وتذكير الغفران؟ لماذا يتحمل جسد واحد وزرا مضاعفا بينما يُسامَح الآخر بسهولة؟ ولو قُلبت الأدوار ألن يكون خطابنا ألين وأعذارنا أكثر سخاء؟
القضية في نظري لم تكشف خطأ شخصيا بقدر ما كشفت فراغا جماعيا.. نحن نحتاج إلى هذه القصص لنملأ بها صمت السياسة وثغرات الإعلام ونقص النقاش العمومي. بدل مواجهة الأسئلة الكبرى.. نلجأ إلى تفاصيل شقة وسرير نُحوّلهم إلى حدث وطني.
لذلك أرى أن ما يخص الرأي العام حقا، ليس هو ما جرى بين أشخاص في مكان خاص، بل هو كيف نحول حياتهم الخاصة إلى مشهد عام.. كيف ننتقي أسماء ونحذف أخرى، كيف نوزع العار بميزان غير عادل وكيف نصرف طاقتنا الجماعية في مطاردة الفضائح بدل مساءلة ما يستحق المساءلة.
إنني أؤمن أن الفضيحة الحقيقية ليست في الخيانة إنما هي في طريقة تعاملنا معها. ما يفضحنا ليس ما وقع داخل الشقة ولكن ما كشفته ردود أفعالنا: أننا مجتمع ما زال يؤنث العار ويذكّر الغفران…
مجتمع يخلط بين الأخلاق والفرجة ويستعمل قيمه كواجهة لممارسة التشهير بدل حماية العدالة.