الدكتور طوطو..

بقلم: ميمونة الحاج داهي
الدكتور طوطو.. يشخص هشاشتنا الاجتماعية بلغة الصخب..
من السهل جدا أن نصدر الأحكام ونحن خارج الملعب.. أن نصف طوطو بالمنحرف، أو نُعلن أن جمهوره بلا ذوق..أو نختزل كل الظاهرة في “انحطاط جيل”..لكنني حين وجدت نفسي بين الحشود، تحت المطر، أراقب آلاف الشباب يصمدون ساعات طويلة بلا كلل، أدركت أن المسافة بين الحكم من بعيد ورؤية التفاصيل من الداخل هائلة.
فطوطو بدا مختلفا تماما حين وقفت أمامه، ليس كفنان مثير للجدل، بل كظاهرة تعكس حالة جيل بأكمله.
الهستيريا التي اجتاحت الساحة لحظة دخول طوطو، لم تكن مجرد فوضى..بل طقس اجتماعي. صرخات هواتف مضيئة، أكتاف متلاصقة وأغان تُردّد عن ظهر قلب..
كان واضحا أن هؤلاء لم يأتوا بحثا عن تسلية عابرة، ضالتهم كانت مساحة اعتراف. بالنسبة لهم، طوطو لم يكن مغنيا فحسب، هو صوتهم الذي يقول ما لا يقوله أحد: يترجم غضبهم، يعبّر عن فراغهم، ويمنحهم لغة فجة لكنها صادقة.
من تلك الزاوية، بدا “الدكتور طوطو” وكأنه يقدم تشخيصا جماعيا أكثر من كونه عرضا موسيقيا.. لقد شخص العلّة: شباب محبط، غاضب، بلا أفق واضح، لكنه يرفض الاستسلام. قدرته على الصمود تحت المطر لساعات، تكشف عن جيل لديه قدرة قوية على الاحتمال، لكنه لم يجد بعد من يمنحه مشروعا أكبر من حفلة موسيقية يستثمر فيه هذه القوة.
المفارقة أن المجتمع يهاجم طوطو لأنه “يفسد الذوق”، بينما الذوق نفسه تُرك يتآكل في فراغ المدرسة، و فساد السياسة، و لغة الخشب التي يتكلمها إعلامنا اليوم.
طوطو لم يخترع الانحراف، لقد التقط ما هو قائم، وصاغه بلغة موسيقية صاخبة. ولهذا جاء تأثيره أقوى من أي تقرير رسمي أو خطاب سياسي..
خرجت من الحفل مقتنعة أن المشكل ليس في طوطو كشخص، بل في ما يكشفه عنّا. هو الطبيب الذي لا يصف الدواء، لكنه يضع التشخيص أمام أعيننا بلا تزييف: جيل يبحث عن معنى وسط صخب الواقع. و يسائلنا لماذا لم يعد في هذا البلد من ينافس طوطو في شدّ انتباه شبابه؟..إنها مفارقة مرة أن نفهم المرض من فنان لا يدعي الطب..و أن نتجاهل التشخيص لأننا مشغولون بالإعتراض على أسلوب الطبيب.
إن الفرق شاسع بين أن تصدر حكمًا من خارج الملعب، وبين أن تعيش تفاصيل اللعبة. وأنا، بعد أن وقفت بين الجماهير وجها لوجه مع طوطو..و رأيت ذلك التماهي بين فنان وجمهور، صرت أوقن أن الظاهرة أعمق من كل الأحكام المسبقة. و إلى حين ظهور جهة في هذا البلد قادرة على منافسة طوطو في التأثير سأستمع لأغانيه حتى أبقى على الخط مع هذا الجيل..