
بقلم: ذ. سعيد الباز
تخيّل الكاتب الإنجليزي جورج أورويل قبل أكثر من ثلاثة عقود في روايته (1984) العالم وقد انقسم إلى ديكتاتوريات كبرى مستبدة. في إحداها يتحكّم زعيم غامض لا وجود له في الواقع سوى في الصور العملاقة المعلّقة في كلّ الأماكن العامة وتحتها العبارة الشهيرة “الأخ الكبير يراقبك”، كما أنّ الشعارات المرفوعة في كلّ مكان تتلاعب بالحقائق و تتعمّد الإتيان بالشيء و نقيضه لخلق البلبلة في عقول الناس،
فالحرب هي السلام و الحرية هي العبودية و الجهل هو القوة. الجميع في هذه الديكتاتورية المتخيّلة مراقب و ممنوع عليه القراءة أو الكتابة، تتكفّل به وزارات هي الأخرى تسير على نفس النهج في خلق الالتباس، فوزارة الحقيقة مهمّتها الأساسية تزييف التاريخ، و وزارة السلام مهمتها الاستعداد للحرب، ووزارة الحبّ مهمتها التعذيب وغسل أدمغة الناس. صحيح أنّ جورج أورويل بتبصرّه و نظرته الثاقبة كان قد تخيّل تماما سنة 1948 تاريخ صدور روايته ما شهدته دول أوروبا الشرقية المنتمية للمعسكر الشيوعي و الكثير من البلدان المنتمية لما كان يسمّى بالعالم الثالث.
لكنّ أهمّ ما جاء في روايته ظلّ مفتوحا على المستقبل، و هو وصول المجتمعات المتقدمة إلى حالة من تزييف الحقائق و قلب المفاهيم تضيع فيها الحدود بين الشيء و نقيضه. فالفيلسوف الكندي “ألان دونوا” في كتابه نظام التفاهة”La médiocratie ” الذي أثار ضجة كبيرة منذ صدوره سنّة 2016 أشار إلى أنّ المعركة حسمت لصالح التفاهة، وعلى حدّ قوله لقد أمسك التافهون بالسلطة داخل المجتمع. أرجع ذلك إلى تطور النيوليبرالية إلى حدّ انتاج أفراد “متوسطين” بالمعنى السلبي، أشخاص قادرين على إنجاز مهام محدّدة دون أن يكون لهم إلمام بالعمل المنوط بهم مثل العمل في مصنع للسيارات دون أن يستطيع إصلاح عطل في سيارته أو بيع الكتب و المجلات دون أن يقرأ منها سطرا واحدا، لأنّنا في التقسيم الجديد للأدوار الاجتماعية انتقلنا من المهنة إلى الوظيفة. فينصحنا “ألان دونو” بأنّ علينا في عصر التفاهة أن ننحّي جانبا الكتب المعقدة فكتب المحاسبات كفيلة بالقيام بالأمر، وألّا نكون فخورين أو مرتاحين فهذا سيعرضنا إلى الظهور بمظهر المتكبّر، ولنخفّف من مشاعرنا فهي تخيف، وألّا نعبّر عن أيّ فكرة جيّدة فسلّة المهملات مليئة بأمثالها، وأن نفكّر بميوعة ونظهر ذلك، وألّا نتحدث عن أنفسنا إلّا خشية أن يتمّ تصنيفنا…
وهكذا نفصل العمل عن الفكرة و بالتالي تنميطه و تعليبه، فتسود فكرة أنّ كلّ واحد عليه أن يجيد اللعبة و يمتثل لقواعدها وهذا هو السبيل الأوحد للنجاح، ومع توسيع قاعدة “المتوسطين” لم يعودوا فقط أغلبية بل بات الأمر يتعلق بسلوك معياري داخل هذا النوع من المجتمعات. إضافة إلى ذلك شهدنا انزلاقا مريبا في اللغة السياسية بحيث هيمن استعمال مفهوم الحكامة الذي لا يعني سوى استخدام أساليب التدبير و التسيير الحديثة في الشركات الخاصّة وتسلّل إلى الحقل السياسي، معلنا بذلك موت السياسة باعتبارها أفكارا و حلولا، والانتصار النهائي للتقنوقراط مادام الأمر كما لاحظ “ألن دونو” أنّ في العالم كلّه المرجع الوحيد أضحى مبدأ السوق هو المتحكم في اللعبة برمتها.
لهذا ليس من المستغرب حاليا أن نشهد انقلابا في المفاهيم وتعبيرها أحيانا عمّا يناقضها أو يوقعها في الالتباس، وكذلك تراجعا للسياسي والمثقف إلى الهامش، ثمّ انتصارا للرداءة على مستوى الانتاج الفني في الغناء والسينما والإعلام، وتعميم كلّ أساليب الميوعة و كسر الحدود في الخطاب و حتّى الممارسة وبالتالي اكتساح الشعبوية للمشهد العام. في محاضرة شهيرة للروائي النمساوي روبير موزيل تحت عنوان”عن الغباء” عشية الحرب العالمية الثانية متحدّثا عن هشاشة الحقيقة في وجه التفاهة و الغباء: لا توجد هناك فكرة مهمّة لا يمكن للغباء أن يستعملها على الفور… وأن يرتدي لبوس الحقيقة. للحقيقة لباس واحد، وطريق واحدة، إنّها دائما معاقة !”.