“تلك المرأة التي لا أعرفها.. رحلتي مع السرطان” للكاتبة نعيمة أكوجكال

 قراءة بقلم: فاطمة ياسين*

بمناسبة شهر أكتوبر الوردي، شهر التوعية بسرطان الثدي والتحسيس بأهمية الكشف المبكر والوقاية، اخترنا أن نقدم هذا الكتاب «تلك المرأة التي لا أعرفها.. رحلتي مع السرطان» للكاتبة نعيمة أكوجكال، باعتباره شهادة إنسانية صادقة تخرج بتجربة المرض من دائرة الصمت والخوف إلى فضاء البوح والمعرفة والأمل.

إنها تجربة امرأة اختارت أن تحكي رحلتها مع المرض بكل ما حملته من ألم وأسئلة وتحولات، وأن تجعل من تجربتها الشخصية رسالة توعية لكل امرأة، ودعوة إلى الاهتمام بالذات والجسد، وعدم تأجيل الكشف والإنصات إلى ما يقوله الجسد.

ومن هذا المنطلق، نقدم قراءة الأستاذة فاطمة ياسين لهذا العمل، التي تتوقف عند أبرز القضايا والأسئلة التي يطرحها الكتاب، وما يحمله من رسائل إنسانية وتوعوية.

يقع هذا الكتاب، الذي يندرج ضمن أدب السيرة الذاتية، في 156 صفحة من الحجم المتوسط، وصدر عن مؤسسة باحثون للدراسات والأبحاث والنشر، في طبعته الأولى سنة 2022.

تتجلى فكرة النص ومضمونه عادة من خلال عتباته النصية، وفي مقدمتها مكونات الغلاف، التي تؤثث بدورها محتوى الكتاب وتضيء دلالاته. وهذا ما ينطبق على هذا العمل، إذ يتضح مضمونه انطلاقاً من عنوانه الرئيسي والفرعي، وصورة الغلاف، والإشارة إلى جنس الكتابة، أي السيرة الذاتية.

وفي هذا الصدد، يشير العنوان بشكل مباشر إلى الموضوع الذي يتناوله الكتاب، خاصة في شقه الثاني: «رحلتي مع السرطان». أما العبارة الأولى «تلك المرأة التي لا أعرفها»، فتحيل على مجموع التحولات التي طرأت على المرأة موضوع الحكي، سواء كانت جسدية أو نفسية أو هما معاً. وإذا توقفنا عند هذا الشق من العنوان، فقد يقودنا إلى دلالات متعددة، غير أن الشق الثاني جاء مباشراً وصريحاً، ليحسم أي تأويل محتمل، ويعلن عن رحلة الكاتبة مع السرطان، وما أحدثته هذه الرحلة من تغيرات جعلتها تشعر بأنها لم تعد تعرف نفسها.

كما تكشف الكاتبة عن العلاقة التي تقيمها بين المرض وبعض رواسب الماضي، مما دفعها إلى النبش في مراحل من حياتها واستعادة ما تسميه «ذاكرة الماضي»، لما تحمله من أثر في تجربتها مع المرض. وإذ تبوح المؤلفة بصعوبة استحضار هذا الماضي، خاصة ما يتعلق بمرحلتي الطفولة والمراهقة، فإنها تدعو إلى إنقاذ نساء الغد من وأد الأنوثة. إنها صرخة نابعة من تجربة قاسية، تأمل الكاتبة من خلالها أن نقطع مع ثقافة «العيب والحشومة» في علاقة المرأة بجسدها.

وتهدي المؤلفة هذا البوح الجريء والصادق إلى كل أنثى تدور في رحى خدمة الآخرين، داعية إياها إلى تحويل بوصلة اهتمامها نحو ذاتها قبل فوات الأوان، وإلى كل أنثى ترفض الكشف المبكر (الكتاب، ص. 5).

يحمل هذا الإهداء رسائل قيمة وهادفة، من أبرزها ضرورة إدراج الاهتمام بالذات ضمن دائرة الأولويات والمشاغل اليومية، والتحسيس بأهمية الكشف المبكر، وزرع الأمل في نفوس المريضات بعيداً عن التهويل والخوف، فضلاً عن أهمية الدعم النفسي الذي تحتاج إليه المريضة وأسرتها ومحيطها.

وتصرح الكاتبة، منذ السطور الأولى، بكل تواضع، بأنها ليست كاتبة ولا روائية، ولا تسعى إلى التطفل على مجال ليس من اختصاصها. كما توضح أن دوافعها إلى الكتابة لا تتمثل في التخفيف عما أصابها، ولا في استجداء عطف القراء، وإنما في تقاسم تجربتها بحلوها ومرها، والمساهمة في التحسيس والتوعية بهذا الداء، انطلاقاً من تجربة معيشة وشهادة حية، بعيداً عن التنظير.

وهي بذلك تسلط الضوء، أولاً، على بعض التفاصيل التي قد لا يكتشفها المريض إلا بعد انتهاء العلاج، وربما لا يكون على علم بها أصلاً، وثانياً، على أهمية الكشف المبكر ومراقبة الجسد باستمرار.

وتقول القاصة مريم التيجي، في تقديمها للكتاب: «يمرض الجسد وتمرض الروح أيضاً، وقد تستعجل الرحيل عندما تكون هشة» (من شدة الصدمة والخوف)، لأن العضو المريض جزء من بطاقة هوية أي امرأة.

وتحيلنا هذه الفكرة على التمثلات التي نحملها عن ذواتنا، وعن الجسد، وبالأخص الثدي، سواء على المستوى الفردي أو المجتمعي، كما تحيل على نظرتنا إلى المرض، إذ غالباً ما نتعامل مع السرطان باعتباره مرضاً مختلفاً ومخيفاً، وننعته بأوصاف قاسية من قبيل «الخبيث» و«المرض الخايب» أو «هذاك المرض»، كما تشير إلى ذلك المؤلفة أيضاً في الصفحة 105.

وترى التيجي، في كلمتها التقديمية، أن سمو الروح يحوّل تجربة المرض إلى وقفة تأمل ومراجعة للأخطاء، وفرصة للتحرر من دور الضحية أو البطولة الزائفة.

وتتقاسم القاصة، التي قدمت هذا العمل، وجهة نظر المؤلفة في كونها لم تبدأ بوحها من لحظة تشخيص المرض، وإنما عادت سنوات إلى الوراء، لتغوص في مرحلتي الطفولة والمراهقة، حين يكون الجسد في مراحل نمو لم تكتمل بعد. وتؤكد أن المرض ليس سوى «ثورة عارمة ومسيرة احتجاجية يقودها الجسد ضد مسار حياة تأجل إصلاحه أو ربما لم نشعر يوماً أنه في حاجة إلى إصلاح» (ص. 7).

وتخلص القاصة في تقديمها إلى اعتبار الكتاب تجربة حياتية غنية، ذات بعد إنساني عميق، تقدم فيها المؤلفة أجوبة عن كثير من الأسئلة التي قد تطرحها النساء، وتفتح أمامهن مجالاً للتأمل في تجاربهن وعلاقتهن بأجسادهن.

القضايا التي يطرحها الكتاب بين دفتيه

يتكون الكتاب من محطات أو لقطات، إن صح التعبير، وليست فصولاً متدرجة، تبدأ بعنوان «من الماضي»، مروراً بـ«الطفلة الأنثى» و«محاولة إنقاذ لم تتم»، وصولاً إلى «منحة الحجر الصحي». وتدور أحداث هذه المحطات في فضاءات متعددة، من البيت إلى المستشفى بمختلف مرافقه، من قاعات الفحص والانتظار إلى فضاءات العلاج الكيميائي والإشعاعي، فضلاً عن الحرم المكي وغيرها من الأمكنة.

وقد تطرقت المؤلفة إلى العديد من الإشكالات والقضايا، تناولت بعضها بالشرح والتوضيح، وأعلنت بشأنها مواقفها بجرأة كبيرة، بينما تركت قضايا أخرى مفتوحة أمام تأويلات القراء. وهكذا، تجول بنا الكاتبة بين الماضي البعيد، حين كانت طفلة ثم مراهقة، وما طبع تلك المرحلة من علاقة بالجسد، وبين الحاضر، حيث رحلة المرض والعلاج والدروس المستخلصة منها، وصولاً إلى الأمل المنشود. ويتجلى ذلك من خلال مجموعة من الأفكار والدعوات، أبرزها:

– دعوة الفتيات والنساء والأسر إلى الاهتمام بالذات والجسد، وجعل العناية بالصحة أولوية، من خلال التغذية المتوازنة، والحرص على الراحة، والحد من القلق والتوتر والإرهاق، وتجنب الاستنزاف الناتج عن العمل الشاق والمستمر.

– التأكيد على أهمية الصحة النفسية خلال مرحلتي الطفولة والمراهقة، وتعزيز الثقة بالنفس والتصالح مع الجسد، والانتباه إلى الاضطرابات النفسية عند ظهور أعراضها، مع الحرص على طلب المساعدة المناسبة.

– إبراز أهمية الحالة النفسية للمريضة أثناء العلاج، وما يمكن أن يوفره الشعور بالطمأنينة من دعم نفسي خلال هذه المرحلة، مستشهدة بما كانت تستشعره من طمأنينة وانعكاسها الإيجابي على حالتها ومحياها (ص. 105).

– تسليط الضوء على ظروف العيش الصعبة التي تواجهها المرأة والفتاة، وما تفرضه من ضغوط نفسية واجتماعية تؤثر في جودة الحياة والصحة عموماً.

– التحسيس بأنواع العلاجات المختلفة وتأثيراتها، والتعريف بتنوع الأعراض الجانبية واختلاف حدتها من شخص إلى آخر.

– الدعوة إلى الاهتمام بالتربية العلاجية باعتبارها جزءاً من المسار العلاجي، يفترض أن يتم في إطار شراكة بين الطبيب المعالج والمريض (ص. 127).

استنتاجات وخلاصات

يتضمن الكتاب معلومات كثيرة ومتنوعة ودقيقة، تغني الجانب المعرفي للقارئ بأسلوب مبسط وسهل، وتتيح له التعرف على جوانب متعددة من رحلة العلاج، في انتقال من «رحلة العلاج إلى رحلة المعرفة» (ص. 130).

كما يقدم أجوبة عن أسئلة كثيرة قد تخطر ببالنا، لكننا نتردد في طرحها على المرضى، تجنباً لإحراجهم أو التسبب في ألمهم.

ويتضمن توضيحات بشأن بعض الأخطاء التي قد يقع فيها المرضى دون وعي منهم، ويسلط الضوء على المغالطات التي يروج لها تجار الوهم، من مشعوذين ومدعين يستغلون الحالة النفسية للمرضى ويبيعونهم الأوهام، كما يتضح في الصفحات 138 إلى 141، حيث تقدم المؤلفة نموذجاً لنمط الحياة الجديد.

ولا يغفل الكتاب، في المقابل، عن إبراز لحظات مشرقة، تفيض بالأمل والإيجابية، وتؤكد أن تجربة المرض، على قسوتها، يمكن أن تفتح أمام الإنسان آفاقاً جديدة لفهم ذاته ومراجعة حياته وإعادة ترتيب أولوياته.

*كاتبة وروائية

↑
Exit mobile version