بسمة نسائية/ عزيزة حلاق
شكر خاص للصديق والزميل هرماس على الصور
قبل بضعة أشهر، خرجت الصحافية والكاتبة المغربية ليلى الشافعي من واحدة من أصعب محطات رحلتها الصحية، بعد نجاح عمليتها الجراحية الثانية على القلب المفتوح، والخامسة على القلب. تجربة جديدة في مواجهة المرض، لكنها لم تكن الأولى في مسار امرأة خبرت معنى الألم، واختبرت هشاشة الحياة، وظلت متشبثة بالأمل والكتابة والحضور.
ولأن الفرح يكتمل بمن نتقاسمه معهم، احتفلت ليلى بسلامتها ونجاح العملية محاطة بصديقات وأصدقاء، من بينهم رفيقات درب ونضال، وفي مقدمتهن المناضلة لطيفة الجبابدي، وفاطمة المغناوي وفاطمة ياسين، إلى جانب وجوه جمعتها بها سنوات من الصداقة والنضال والعمل المشترك. كان اللقاء أكثر من مناسبة للاحتفاء بالتعافي، كان لحظة وفاء ومحبة، واستحضاراً لروابط إنسانية صمدت أمام الزمن والمحن.
ليلى الشافعي ليست مجرد صحافية عبرت تجربة صحية قاسية، بل امرأة متعددة الاهتمامات والتجارب، راكمت مساراً مهنياً وثقافياً وحقوقياً غنياً.
التحقت بوكالة المغرب العربي للأنباء سنة 1992، واشتغلت في القسم الثقافي، حيث واكبت المشهد الثقافي المغربي، واقتربت من المبدعين والمثقفين، وجعلت من الصحافة نافذة على أسئلة المجتمع وتحولاته.
وإلى جانب الصحافة، ظلت الكتابة الأدبية جزءاً أصيلاً من تجربتها؛ أصدرت مجموعتها القصصية “الوهم والرماد” سنة 1994، وخاضت تجربة الكتابة والترجمة، واهتمت بالإبداع النسائي وقضايا المرأة وحقوق الإنسان. كما انخرطت في العمل الحقوقي والثقافي، وكانت عضوة في اتحاد كتاب المغرب منذ سنة 1992، وتولت مسؤوليات في عدد من الهيئات والمبادرات. وفي سنة 2013، انتُخبت أول امرأة رئيسة لجمعية الأعمال الاجتماعية لوكالة المغرب العربي للأنباء.
غير أن ثمة جانباً آخر في سيرة ليلى الشافعي يستحق التوقف عنده: علاقتها بالحياة، وبالكتابة، وبالقدرة على مواصلة الطريق رغم المنعطفات الصعبة.
ففي سنة 2013، حين خضعت لعملية جراحية في الورك، كشفت في تدوينة لها عن تجربة سابقة مع جراحة القلب المفتوح، كانت قد خضعت لها قبل ذلك بأكثر من ربع قرن. يومها اختارت أن تستقبل موعد العملية بروح متفائلة، وكتبت عن مصادفة دخول غرفة العمليات يوم عيد الحب، معتبرة أن إجراء العملية في يوم يحتفي بالحب فأل حسن.
تلك التفاصيل الصغيرة تكشف شيئاً من شخصية ليلى: قدرتها على التقاط المعنى الإنساني حتى في أكثر اللحظات قسوة، وعلى مواجهة الخوف بروح لا تتخلى عن الأمل.
واليوم، بعد نجاح عمليتها الجراحية الأخيرة، لا تحتفي “بسمة نسائية” فقط بعودة قلب ليلى إلى النبض، وإنما نحتفي بامرأة لها مكانتها في الصحافة والثقافة المغربية، وبمسار يستحق أن يُروى، وبقيمة إنسانية لا تختزلها المحن الصحية، مهما كانت قاسية.
لكن تجربة ليلى مع المرض لم تبق حبيسة الذاكرة الشخصية. فقد اختارت أن توثق جانباً منها في فيلم وثائقي بعنوان “العودة من الرماد”، من إخراج سعيد خلفي، عن قصة حقيقية مستوحاة من مذكراتها “الغرفة رقم 03”. وهكذا تحولت تجربة شديدة الخصوصية إلى شهادة بالصورة والكلمة، تنقل إلى الآخرين بعضاً من تفاصيل الرحلة بين الخوف والأمل، وبين المحنة والتشبث بالحياة.
يحكي الشريط عن مقاومتها للموت إبان إجراء العملية الثانية على القلب والتي كانت على القلب المفتوح، وتقول عن هذا الفيلم في دعوتها ليّ لحضور عرض الشريط في مارس المنصرم: “فيما نجوت أنا، تركت جلدها على الطاولة طفلة تدعى غزلان وكنت قد ارتبطت بها بشكل كبير. شريط يحكي عن ثنائية الحياة والموت التي ما نزال نتعامل معها إلى الآن“..
ونحن نحتفي بنجاح عمليتها وبسلامتها، نحتفي أيضاً بامرأة لم تختزلها المحن، ولا اختصرها المرض في حكاية صحية. نحتفي بصحافية وكاتبة ومناضلة، وبمسار يستحق التقدير والتوثيق.
الحمد لله على سلامتك الصديقة العزيزة ليلى. لتظل الحياة مشرعة أمامك، ولتظل الكتابة رفيقتك، وليكن القادم أجمل وأكثر امتلاءً بالفرح والحكايات التي تستحق أن تُروى.
