بقلم: ذ. رشيدة آيت حمي*
الدعابة أو القفشات في الاجتماعات قد تكون وسيلة لتلطيف الأجواء، وتساهم في تخفيف حدة التوتر، وكسر رتابة النقاش أو ثقل المواضيع المطروحة. غير أنها عندما تصدر عن سياسي، تصبح مثلها مثل الكلمة الجادة، وبذلك تقتضي تقديرًا للزمان والمكان والسياق. فقد يحدث أن تتحول مزحة عابرة، قيلت في سياق داخلي وأمام جمهور محدود، إلى قضية رأي عام، وأن تتجاوز حدود الاجتماع الذي قيلت فيه لتثير حساسيات تتصل بالهوية والانتماء والعلاقات بين الشعوب. عندها يتجاوز السؤال حسن النية أو سوء القصد، ويصبح سؤالًا عن المسؤولية التي تفرضها الكلمة حين تصدر عن شخصية سياسية، وعن الحدود الفاصلة بين حرية التعبير والاستخفاف بما قد تخلّفه بعض العبارات من آثار.
إن السياسي ليس مواطنًا يتحدث في فضاء خاص به، إنما هو شخصية عمومية، وكلماته لا تُستقبل دائمًا وفق النية التي أرادها، بل وفق دلالاتها وسياقها ورمزيتها. ذلك أن ما قد يبدو هزلًا في لحظة عابرة يمكن أن يتحول، في سياق مشحون بالحساسيات، إلى مصدر للتوتر وسوء الفهم. وهذه ليست دعوة إلى تجريم المزاح أو مصادرة العفوية، وإنما تذكير بأن المسؤولية السياسية تقتضي التمييز بين متى يكون المزاح تعبيرًا عن خفة الروح، ومتى يصبح إخلالًا بواجب التقدير.
هذه مقدمة، ليست سوى مدخل للتفكير بصوت مسموع في سؤال: كيف انتقلنا من الخطاب السياسي المبني على قوة الفكرة وعمق التحليل ورصانة التعبير، إلى زمن أصبحت فيه الشعبوية، لدى الفاعل السياسي، وسيلة للاستقطاب وصناعة التأثير؟
لقد عرفت الحياة السياسية، في مراحل مختلفة، رجالًا ونساءً لم تكن قيمة حضورهم مرتبطة بعلو الصوت أو بحدة العبارة أو بقدرتهم على إثارة الجدل، وإنما بما امتلكوه من فكر، وما راكموه من تجربة نضالية، وما جسّدوه من التزام أخلاقي تجاه المجتمع.
ولم يكن الخطاب السياسي الرصين يعني غياب النقد أو التنازل عن المواجهة أو إخفاء الاختلاف، وإنما كان يعني امتلاك القدرة على المواجهة دون ابتذال، وعلى الاختلاف دون تجريح، وعلى التعبير عن الموقف دون تحقير الآخرين والمساس بكرامتهم.
إن السياسة في جوهرها، ليست مجرد مهارة في الخطاب؛ إنها أيضًا تربية على المسؤولية، ووعي بحدود السلطة الرمزية التي يمنحها المجتمع لفاعليه السياسيين.
إن الشعبوية حين تتحول من أسلوب خطابي عابر إلى منهج دائم في الممارسة، فإنها تعيد ترتيب الأولويات. فيصبح وقع العبارة أهم من مضمونها، والتفاعل الآني أهم من النقاش الجاد، والانتصار أمام الجمهور أهم من بناء توافق أو تقديم بدائل. ويغدو السياسي مطالبًا، في نظر جمهوره، بأن يكون مثيرًا للجدل باستمرار، وكأن الهدوء ضعف، والتروي تردد، والاتزان عجز عن المواجهة.
وهنا تكمن إحدى أخطر نتائج هذا التحول: أن تتحول الشعبوية من اختيار فردي إلى نموذج يُحتذى به، وأن يجد بعض السياسيين في تقليد الخطاب الصاخب طريقًا مختصرًا نحو الحضور الإعلامي والشعبية. ومع توالي التقليد، تتراجع مساحة النقاش الرصين، ويصبح الخطاب السياسي أقرب إلى المنافسة على إثارة الانفعالات منه إلى التنافس على تقديم الأفكار والحلول.
لست ممن يعتقدون أن السياسة ينبغي أن تكون لغة جامدة أو خطابًا نخبويًا منفصلًا عن وجدان الناس. فالسياسي مطالب بأن يكون قريبًا من المواطنين، وأن يتحدث بلغتهم، وأن يفهم انشغالاتهم، وأن يمتلك القدرة على التواصل معهم بعفوية وتواضع ووضوح. لكن القرب من الناس شيء، وتحويل الخطاب إلى استعراض دائم شيء آخر؛ والبساطة في التعبير لا تعني الابتذال، كما أن الشعبية لا تعني التخلي عن الوقار.
لطالما استوقفني، في تجارب سياسية متعددة، ذلك التلازم بين الفكر والنضال، وبين قوة الموقف والانضباط في التعبير عنه. فالسياسي الذي يحمل مشروعًا لا يحتاج إلى تحويل كل مناسبة إلى معركة كلامية، ولا إلى جعل كل اختلاف فرصة لإهانة الآخر أو التقليل من شأنه. إنه يدرك أن ما يقوله اليوم قد يصبح معيارًا يُحاسَب به غدًا، وأن أثر الكلمة قد يتجاوز جمهورها المباشر إلى دوائر أوسع لم تكن حاضرة لحظة صدورها.
وتزداد هذه المسؤولية حين يتعلق الأمر بعلاقات الشعوب. فقد تكون العلاقات بين الدول محكومة بخلافات معقدة، لكن الخطاب السياسي الرشيد ينبغي أن يميز بين تدبير الخلاف وتأجيج المشاعر، وبين الدفاع عن المصالح الوطنية وإنتاج حساسيات إضافية لا تخدم تلك المصالح.
إن الدفاع عن الوطن لا يحتاج إلى الإساءة إلى شعب آخر، كما أن الاعتزاز بالهوية لا يستلزم الانتقاص من هوية الغير. بل إن الثقة في الذات الوطنية تتيح للسياسي أن يكون واضحًا وحازمًا دون أن يكون مستفزًا.
ولعل ما يستدعي القلق أكثر من زلة عابرة هو أن تصبح الزلات جزءًا من ثقافة سياسية يُعاد إنتاجها، وأن يُنظر إلى الاعتذار بعد إثارة الجدل باعتباره كافيًا لإغلاق النقاش، دون مساءلة الشروط التي جعلت الخطاب المنفلت يتكرر أصلًا. فالاعتذار، حين يكون صادقًا، مهم وضروري، لكنه لا يعفينا من التفكير في الوقاية، وفي دور الأحزاب في تأطير خطاب قياداتها، وفي مسؤولية النخب عن تقديم نماذج رصينة في التواصل السياسي.
فالأحزاب ليست مجرد آلات انتخابية، وقياداتها ليست مجرد أصوات قادرة على تعبئة الأنصار، إنما هي مؤسسات يُفترض أن تسهم في بناء الوعي العام، وترسيخ ثقافة الاختلاف، وتأهيل الأجيال الجديدة لممارسة السياسة باعتبارها خدمة للشأن العام، لا بحثًا دائمًا عن التموقع مهما كان الثمن.
ومن هنا، فإن استعادة الرقي في الخطاب السياسي ليست مسألة ذوق شخصي، ولا ترفًا أخلاقيًا يمكن تأجيله إلى حين تحسن الظروف، بل هي جزء من استعادة الثقة في العمل السياسي نفسه. ذلك أن المواطن حين يفقد ثقته في قدرة السياسيين على النقاش المسؤول، وحين يصبح الاستفزاز أكثر حضورًا من البرامج، فإنه يجد نفسه أمام خطاب يستهلك الانتباه دون أن يثري الوعي، ويثير الانفعالات دون أن يقدم بالضرورة أجوبة لانتظاراته.
إننا اليوم في حاجة إلى سياسيين لا يخشون الاختلاف، لكنهم يعرفون كيف يديرونه؛ ولا يتخلون عن مواقفهم، لكنهم يدركون أن قوة الموقف لا تُقاس بقسوة العبارة؛ ولا يتنازلون عن حقهم في النقد، لكنهم يميزون بين النقد الذي يبني الوعي، والتجريح الذي يوسع دائرة الخصومة.
نحتاج إلى سياسة تعيد الاعتبار للفكرة قبل العبارة، وللمضمون قبل الاستعراض، وللمسؤولية قبل الرغبة في إضحاك الجمهور أو إثارته.
فحين يتحول الهزل في اجتماع أو التصريح لقناة إلى أزمة سياسية، فإن الدرس الأهم لا يكمن في محاكمة عبارة بعينها، بل في إعادة طرح سؤال جوهري: أي صورة للسياسة نريد أن نتركها للأجيال القادمة؟ سياسة تقوم على الفكر والمسؤولية والقدرة على الإقناع، أم سياسة تختزل الحضور في الإثارة، وتخلط بين الجرأة والتهور، وبين القرب من الناس والاستسلام لمنطق الاستعراض؟
وخلاصة القول، إن الارتقاء بالخطاب السياسي يبدأ من إدراك حاسم: أن السياسي لا يُختبر فقط في ما يدافع عنه، بل أيضًا في الطريقة التي يدافع بها عنه؛ وأن رصانة الكلمة ليست قيدًا على الحرية، بل علامة على نضج الممارسة السياسية.
*محامية، فاعلة جمعوية وسياسية
