بسمة نسائية/ عزيزة حلاق
صور: زليخة
قبل سنتين، وتحديداً في منتصف سنة 2024، كشف أحمد رضا الشامي، رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي سابقا، عن معطيات مقلقة تفيد بوجود 4.3 ملايين شاب وشابة تتراوح أعمارهم بين 15 و34 سنة خارج منظومة التعليم والتكوين وسوق الشغل، وهي الفئة المعروفة اختصاراً بـNEET. ومن بين هؤلاء، يوجد نحو 1.5 مليون شاب وشابة تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة.
كانت تلك من المرات الأولى التي دخل فيها هذا المصطلح إلى النقاش العمومي المغربي لوصف فئة اجتماعية نراها يومياً في الشوارع والمقاهي والأحياء الشعبية، لكننا نادراً ما نصغي إلى أصواتها أو نحاول فهم واقعها من الداخل.
ومن هذا المنطلق، اختارت الباحثة حياة بوفراشن، الفاعلة الجمعوية والبرلمانية السابقة، أن تجعل من هذه الفئة موضوعاً لأطروحة الدكتوراه في علم الاجتماع الشبابي، التي ناقشتها أمس بعنوان: “الأصول الاجتماعية للشباب في وضعية NEET: استراتيجيات تدبير الحياة اليومية في الهامش الحضري – قرية أولاد موسى بمدينة سلا نموذجاً“. والتي وصفها أحد أعضاء لجنة المناقشة، بفئة “اللاءات الثلاث: لا تمدرس، لا تكوين، لا شغل”.
وتكتسي هذه الدراسة أهمية خاصة باعتبارها من أوائل الدراسات السوسيولوجية الميدانية بالمغرب التي اقتربت من هذه الفئة عبر الإنصات إلى تجاربها اليومية ومساراتها الحياتية، وليس فقط من خلال الأرقام والمؤشرات الإحصائية. وهي بذلك تساهم في بناء معرفة علمية أكثر عمقاً حول واحدة من أكثر القضايا الشبابية إلحاحاً في المغرب.
واعتمدت الباحثة على بحث ميداني أنجز بقرية أولاد موسى بمدينة سلا، (هم عينة 360 شابة وشابة) حيث سعت إلى فهم الكيفية التي يدبر بها الشباب المصنفون ضمن فئة “النيت” حياتهم اليومية، والعوامل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي ساهمت في وصولهم إلى هذه الوضعية.
وتكشف نتائج الدراسة أن وضعية “النيت” ليست مجرد مرحلة عابرة يعيشها بعض الشباب، بل هي نتيجة تفاعل معقد بين عوامل متعددة، من بينها التعثر الدراسي، وضعف التوجيه، والهشاشة الأسرية، ومحدودية فرص التكوين والشغل، إضافة إلى تأثير المجال الاجتماعي الذي يعيشون فيه. فالأمر يتعلق بمسارات متراكمة من الإقصاء أكثر مما يتعلق باختيارات فردية أو حالات ظرفية.
وفي المقابل، تفند الدراسة الصورة النمطية التي تختزل هؤلاء الشباب في الكسل أو السلبية، إذ أظهرت المعطيات الميدانية أنهم يطورون أشكالاً متعددة من التكيف مع واقعهم اليومي، ونشأت داخل هذه الفضاءات لغة بمصطلحات خاصة بهم. ومنهم من يلجأ إلى أنشطة اقتصادية غير مهيكلة لتأمين الحد الأدنى من العيش، ومنهم من يجد في الرياضة أو فضاءات التواصل الاجتماعي متنفساً للحفاظ على توازنه النفسي، بينما يتخذ آخرون من العالم الرقمي مجالاً للتعلم الذاتي والبحث عن فرص جديدة.
ومن بين الخلاصات اللافتة التي توصلت إليها الباحثة أن عدداً مهماً من الفتيات المصنفات ضمن فئة NEET يقمن بأعمال منزلية ورعائية يومية غير مأجورة، ما يطرح تساؤلات حول دقة بعض التصنيفات الإحصائية التي تصفهن بأنهن “غير نشيطات”، في حين أنهن يضطلعن بأدوار أساسية داخل الأسرة والمجتمع.
كما أبرزت الدراسة أن الهشاشة التي يعيشها هؤلاء الشباب لا تقتصر على الجانب المادي فقط، بل تمتد إلى أبعاد رمزية ونفسية عميقة، تتجلى في الوصم الاجتماعي والأحكام المسبقة المرتبطة بالبطالة أو الانقطاع الدراسي أو الانتماء إلى الأحياء الهامشية، وهو ما يؤثر على الثقة بالنفس والشعور بالانتماء والأمل في المستقبل.
وتوقفت الأطروحة أيضاً عند دور الرقمنة في حياة هؤلاء الشباب، مبرزة أنها توفر إمكانات مهمة للتعلم والتواصل والتعبير عن الذات، لكنها لا تضمن بالضرورة الإدماج الاقتصادي والاجتماعي ما لم تقترن بسياسات عمومية قادرة على تحويل المهارات المكتسبة إلى فرص حقيقية للتكوين والعمل.
وانطلاقاً من هذه النتائج، توصي الدراسة باعتماد مقاربة شمولية تشمل الوقاية من الانقطاع الدراسي، وتقوية التوجيه والمواكبة، وربط التكوين المهني بحاجيات سوق الشغل، ومراجعة مؤشرات قياس فئة NEET، وتعزيز التمكين الرقمي، مع إشراك الأسرة والفاعلين المحليين في سياسات الإدماج.
وتكونت لجنة المناقشة من الأساتذة الدكاترة زكرياء بوجمعة رئيساً ومقرراً، وخالد الصمدي، وإدريس الكراوي، وجلال قرة، ومحمد عبد ربي أعضاءً ومقررين، فيما تولى الأستاذ عبد الرحيم العطري الإشراف على الأطروحة وشارك في مناقشتها مقرراً.
وبعد مناقشة علمية استمرت أكثر من ثلاث ساعات، قررت اللجنة منح الباحثة حياة بوفراشن درجة الدكتوراه بميزة “مشرف جداً”، مع تنويه خاص والتوصية بنشر الأطروحة بعد الأخذ بالملاحظات والتعديلات العلمية المقترحة خلال المناقشة. وهو تتويج يعكس القيمة العلمية لهذا العمل البحثي وأهمية الموضوع الذي تناوله، ويفتح المجال أمام مزيد من الدراسات السوسيولوجية حول فئة من الشباب ظلت حاضرة بقوة في الواقع المغربي، لكنها لم تحظ بالقدر نفسه من البحث والإنصات.
