وأنا أقرأ هذا النص، لم أرَ مجرد كلمات مصطفة على الورق، بل لمستُ أثر سنوات طويلة قضاها صاحبُه، المراسل الإعلامي المغربي اللامع محمد البقالي، في قلب الأحداث، متنقّلًا بين الجبهات والنقاط الساخنة، يحمل فضول الباحث، ودقة الصحفي، وإنسانية الشاهد.
لذلك جاءت كتابته مشبعة بالعمق والأسئلة والرؤية، بعيدة عن الاكتفاء بسرد ما جرى أو نقل الوقائع كما هي. إنه نص يذكّرنا بأن الصحافة الحقيقية ليست مجرد نقلٍ للأحداث، بل سعيٌ دائم إلى فهمها، واستنطاق خلفياتها، وكشف ما تخفيه من معانٍ ودلالات.
في هذا النص تتجلى بوضوح خبرة المراسل الميداني؛ تلك العين التي لا تكتفي بملاحقة الخبر، بل تنفذ إلى ما وراءه، باحثةً عن القصص الإنسانية الكامنة، وعن الأسئلة العميقة التي يثيرها، وعن الدلالات التي تتجاوز الحدث الآني لتلامس جوهر الإنسان والعالم.
****************
يكتب البقالي على صفحته الخاصة بالفايسبوك:
في حديقة “لاله” وسط العاصمة طهران، أصادف شبانا يمارسون رياضة المشي على الحبل.
يثير المشهد اهتمامي، فنبدأ حديثا مطولا..
كلهم في العشرينات من عمرهم! جيل لم يعرف حياة خارج الحرب والعقوبات والحصار…
كانوا يضحكون ويتمرنون ويسقطون أحيانا ثم يعاودون الوقوف!
يقول لي علي رضا:
“الحرب قاسية، لكنها لن تجعلنا نتوقف عن الحياة”!
ثم يعرض علي أن أتعلم المشي على الحبل.
حاولت مرات وسقطت.
قال لي:
“تنفس بعمق. لا تفكر في شيء. انظر إلى نقطة ثابتة في الشجرة المقابلة وتقدم”!
كان يقولها كمدرب رياضي، لكنني سمعتها كخلاصة حياة بلد كامل.
وفكرت أن هذه ربما هي طهران: مدينة تمشي على الحافة بين الحرب والسلم.
لا تطمئن بسهولة، لكنها لا تسقط بسهولة أيضاً.
تعرف أن تحت الحبل هاوية، لكنها تعرف أيضا أن التوقف خوفا من السقوط هو… سقوط!
****
هذه مدينة تتقن فن الغواية!
ينبغي أن تحذرها، وإلا وقعت في شركها.
ما زارها أحد إلا وترك فيها شيئاً منه، أو أخذ منها شيئا لا يعرف كيف يصفه.
تأتيها محملا بالصور الجاهزة: العمائم، الشعارات، الحجاب، الصواريخ، الثورة، العقوبات… لكن إن أصخت السمع قليلا، وتأملت أحوال السياسة والناس ستكتشف أن المدينة أكثر تعقيداً من أن تختصرها رواية واحدة.
وصلتها قادما من بيروت قبل شهرين ونصف. لم تكن هذه زيارتي الأولى لها، لكنها كانت الأطول: ثمانون يوماً وليلة في زمن تتقلب فيه الاحوال بين الحرب وانتظار الحرب!
والمدن، يا رعاك الله، مثل الناس لا تكشف نفسها للعابرين بسهولة!
تحتاج وقتاً وصمتا ومشيا طويلا، ولقاء بالناس…حتى إذا اقتربت منها أكثر أدركت أن ما كنت تعرفه عنها أقل مما ظننت.
لعل أول ما يفاجئك في طهران أنها تبدو كأنها لا تكترث للحرب. أو لعل أهلها تعلموا ألا يجعلوا الخوف يستحوذ على تفاصيل حياتهم!
في تلك الليلة التي أعلن فيها ترامب عزمه قصف إيران. بحثت في الوجوه عن أثر الفزع، فإذا بالشوارع مزدحمة، والأسواق مفتوحة، والمقاهي عامرة، والحياة تسير كأن المدينة تقول، بالفارسية التي تسمعها في كل مكان: زندگی ادامه دارد!
“الحياة مستمرة”
سألت صاحبي:
ألا تخافون القصف؟
قال لي:
ولدت قبل أربعين عاماً. لم أعرف في حياتي غير الحصار والحرب أو التهديد بهما.
وها أنا هنا أتحدث معك.
فلم علي أن أقلق أكثر؟
دون السقوط في قياس باطل كما يقول الفقهاء، تذكرت المقولة المنسوبة لخالد بن الوليد بعدما جاءه الموت وهو على فراشه بعد أن أمضى سني عمره في المعارك “ما من مكان في جسدي إلا وعليه أثر من طعنة سيف او رمح وها آنذا أموت موتة البعير .. فلا نامت أعين الجبناء”
فلا لا نامت أعين الجبناء!!!
في تلك الليلة خرج بعض الناس إلى الساحات، وبقوا حتى الفجر.
في الشوارع كانوا يرددون: “هيهات منا الذلة”. وكانت السياسة، كعادتها هنا، تردد العبارة نفسها بصوت أعلى.
*****
لكن هل يعني ذلك أن الإيرانيين جميعاً على قلب رجل واحد؟
لا يقول ذلك إلا جاهل بشؤون الناس وأحوال العمران والمدن!
قبل الحرب، كانت البلاد تعيش غضباً اقتصاديا وسياسيا عميقاً. تعب في الشارع وضيق في الأسواق! وكنت ترى في الأعين أسئلة كثيرة!
ثم جاء التهديد الخارجي…
وكما لم يفهم ولن يفهم على الأرجح ترامب وحلفاؤه، أعادت الحرب ترتيب العاطفة العامة.
ألم يقل لي فرهاد من قبل ” ان الوطن زمن الحرب فكرة أكبر من السياسة”!
ولا يبدو المثل الفارسي يختلف كثيرا عن مثيله العربي القائل “أنا وابن عمي على الغريب”.
*****
مشكلة كثيرين أنهم لا يرون إيران كما هي!
يرونها كما يتخيلونها أو كما يشتهون لصورتها ان تكون!
إيران المتصورة.
إيران الجاهزة.
إيران التي تسكن نشرات الأخبار !
***
لكن طهران أعقد كثيرا! دعك من الصور النمطية وهذه حكايتي كما عشتها:
في مقهى صغير وسط المدينة في الجهة الغربية ، أجلس لساعتين في مقهى فلا أكاد أرى امرأة محجبة واحدة. أرى مظاهر أكثر “تمردا” على السائد من اللباس والثقافة!
وفي كل شوارع طهران تتوزع النساء بين محجبات وغير محجبات وأخريات يلبسن التشادور!
لم يتغير القانون! ولكنها تعقيدات المجتمع وتطور العقل السياسي الحاكم!
أسأل “غزل” وهي باحثة استثنائية في علم الاجتماع… تقول ” ما بعد مهسا أميني ( الشابة التي قتلت في مخفر شرطة بعد اعتقالها بسبب لباسها) ليس كما قبلها. هناك مساحة اجتماعية جديدة، قد تكون غير محدد بنص القانون، لكنها حقيقية ومرئية”!
هي بالفعل مرئية حتى يكاد المرء إلا حقيقة توجد غيرها لولا أن صاحبي يذكرني بان المشهد مختلف في ثم وشيراز وأصفهان وغيرها…
وهذه أيضا إيران: بلد لا يمنحك جوابا واحدا.
كلما أمسكت بصورة، جاءت صورة أخرى وكسرتها!
****
في الفارسية عبارة بسيطة سمعتها كثيرا…
« نگران نباش »
لا تقلق.
لعل منها اشتقت الدبلوماسية الإيرانية مفهومها ل ” الصبر الاستراتيجي”!
لكن القلق هنا لا يختفي…
تراه في كلام علي عند حديثه عن الأسعار والتضخم والوظائف.. تلمحه في النظرات القلقة لأمينة التي تعمل في مقهى وتحلم بالهجرة… وتسمعه في أحاديث الناس وشكاواهم في كل مكان…
لكن الجميع يبحث عن توازن ما… تماما كما يفعل أولئك الشبان في الحديقة وهم يمشون على حبل يدركون أنه أي خطوة خاطئة قد تؤدي بهم إلى السقوط!
ويرددون الكلمات ذاتها التي رددها على مسامعي علي الرضا وهو يحاول أن يعلمني عبثا المشي على الحبل:
“تنفس.
لا تنظر إلى الهاوية.
ثبت عينيك على نقطة بعيدة.
وامش!”
——
هكذ غادرت طهران وفي القلب شيء منها..
واني أكتب هذه الكلمات اليوم لا من طهران، بل من سويسرا، من منتجع حيث ينتظر أن يجتمع الإيرانيون والأمريكيون على مذكرة قد تنهي الحرب…
من يتأمل بنود المذكرة الاربعة عشر يفهم تماما أهمية إتقان رياضة المشي على الحبل/ الحافة..
أهمية أن ترى الهاوية، ان تكون قريبا من السقوط، لكن لا تهاب ولا تخشى، وتواصل … من دون أن تسقط..
****
——
