في زمن أصبحت فيه الصحافة الاستقصائية واحدة من أكثر المهن خطورة وتعقيداً، تواصل المرأة المغربية حضورها اللافت في المحافل الدولية، مؤكدة قدرتها على المنافسة والتأثير وصناعة الفارق في أرفع المؤسسات الإعلامية العالمية. ومن بين هذه الأسماء التي صنعت لنفسها مكانة خاصة في عالم الصحافة الدولية، تبرز الصحافية المغربية سعاد مخنّت، التي نجحت مرة أخرى في لفت الأنظار إليها، بعد تتويجها بجائزة «إيمي» المرموقة في نيويورك، عن مشاركتها في التحقيق الوثائقي الاستقصائي الطويل «الضربة في إيران: السؤال النووي».
نيويورك – خاص
سعاد مخنّت… المغربية التي أبهرت العالم الصحافي الاستقصائي وفازت بـ«الإيمي»
من قلب نيويورك، أضافت الصحافية المغربية سعاد مخنّت إنجازاً جديداً إلى مسارها المهني الحافل، بعدما فازت بجائزة «إيمي» للأخبار والوثائقيات، عن مشاركتها في التحقيق الاستقصائي الطويل «الضربة في إيران: السؤال النووي»، المنجز ضمن تعاون بين مؤسسات إعلامية دولية مرموقة هي «فرونتلاين» و«واشنطن بوست» و«إيفيدنت ميديا» و«بيلينغكات».
ويُعد هذا التتويج اعترافاً مهنياً رفيعاً بمكانة واحدة من أبرز الوجوه النسائية المغربية في الصحافة العالمية، كما يعكس الحضور المتزايد للكفاءات المغربية، وخاصة النسائية منها، داخل دوائر الإعلام الدولي المؤثر.
وفي ليلة التتويج، اختارت سعاد مخنّت الظهور بقفطان عصري من تصميم توم فورد، في إشارة رمزية إلى ارتباطها العميق بجذورها المغربية، وحرصها على حمل جزء من هويتها الثقافية إلى المنابر العالمية، حيث التقت الأناقة المغربية التقليدية بروح عالمية متعددة الثقافات.
جائزة «إيمي»… أرفع تكريم في الصحافة البصرية
تُعتبر جوائز «إيمي»، التي تمنحها الأكاديمية الوطنية لفنون وعلوم التلفزيون بالولايات المتحدة، من أرفع الجوائز في عالم التلفزيون والصحافة البصرية. وتكرّم فئة «إيمي الأخبار والوثائقيات» الأعمال الأكثر تميزاً في مجالات التحقيق الاستقصائي، والأخبار، والأفلام الوثائقية.
ويعني الفوز بهذه الجائزة الانضمام إلى نخبة الصحافيين العالميين الذين استطاعوا تقديم أعمال مؤثرة ودقيقة تخدم الحقيقة والمصلحة العامة، بعد سنوات من العمل الميداني الشاق. كما تُعد سعاد مخنّت أول صحافية مغربية تنال هذا التتويج الرفيع.
فيلم وثائقي يقتحم واحدة من أعقد قضايا العالم
يتناول فيلم «الضربة في إيران: السؤال النووي» واحدة من أكثر القضايا الجيوسياسية حساسية في العالم اليوم، والمتعلقة بإمكانية توجيه ضربة عسكرية للبرنامج النووي الإيراني، وما قد يترتب عنها من تداعيات إقليمية ودولية.
واعتمد العمل على تحقيق استقصائي طويل أنجز بشراكة بين مؤسسات إعلامية دولية كبرى، ليحصل على جائزة «إيمي» في فئة «أفضل تحقيق استقصائي طويل»، وهي من أكثر الفئات تنافسية وهيبة في البرنامج.
وكانت مساهمة سعاد مخنّت محورية داخل هذا العمل، بفضل خبرتها الطويلة في تغطية قضايا الشرق الأوسط، وشبكة علاقاتها الواسعة، ومعرفتها الدقيقة بخلفيات المنطقة وتعقيداتها السياسية والثقافية، وهي خبرة راكمتها على امتداد أكثر من خمسة وعشرين عاماً من العمل الصحافي الميداني.
ابنة المغرب… وصوت العالم العربي في الإعلام الدولي
تنحدر سعاد مخنّت من أب مغربي وأم تركية استقرا في ألمانيا، حيث نشأت وسط ثقافات متعددة، وأتقنت العربية والألمانية والإنجليزية، ما منحها قدرة استثنائية على فهم العوالم المختلفة والتحرك بينها بسلاسة.
ومن هذا التعدد الثقافي، ومن جذورها المغربية تحديداً، تشكل صوت صحافي مختلف، استطاع أن يبني جسوراً بين العالم العربي والجمهور الغربي، بعيداً عن الصور النمطية والاختزال الإعلامي.
وترى مخنّت أن المغرب يحمل إرثاً حضارياً وفكرياً عريقاً، يكفي أن جامعة جامعة القرويين، التي تأسست سنة 859 ميلادية، تُعد أقدم جامعة في العالم ما تزال تواصل منح الشهادات إلى اليوم. ومن هذا الإرث الثقافي العميق، تستمد الصحافية المغربية شغفها بالمعرفة والبحث والحقيقة.
وفي كتاباتها وتحقيقاتها، سعت دائماً إلى تقديم صورة إنسانية أكثر تعقيداً وعمقاً عن المجتمعات العربية والمسلمة، في مواجهة الصور الجاهزة والأحكام المسبقة، لتصبح بذلك واحدة من أبرز الأصوات الصحافية التي تدافع عن الفهم والحوار في عالم تتزايد فيه الانقسامات وسوء الفهم بين الشرق والغرب.
مؤلفات صنعت حضورها العالمي
إلى جانب عملها الصحافي، تُعد سعاد مخنّت مؤلفة معروفة عالمياً، وشاركت في تأليف عدد من الكتب التي أثارت اهتماماً واسعاً، من بينها:
* «قيل لي أن آتي وحدي: رحلتي خلف خطوط الجهاد» (2017)، وهو كتاب اختارته صحف ومجلات دولية مرموقة ضمن أفضل كتب السنة، ونالت عنه جائزة «هنري نانين» الصحافية في ألمانيا.
* «النازي الأبدي»، وهو تحقيق حول امتدادات الشبكات النازية بعد الحرب العالمية الثانية.
* «أطفال الجهاد»، الذي يتناول ظاهرة التطرف ومسارات الشباب المنجرفين نحو الجماعات المتشددة.
* «الإسلام»، وهو عمل يسعى إلى تقديم فهم مبسط ومتوازن لأحد أكثر الأديان تعرضاً لسوء الفهم في العالم
وبهذا التتويج الجديد، تؤكد سعاد مخنّت أن الصحافة ليست مجرد مهنة، بل مسؤولية أخلاقية ومعرفية، وأن المرأة المغربية قادرة على الوصول إلى أعلى المنصات الدولية، حين تمتلك المعرفة والشجاعة والإصرار.
