إدغار موران… فيلسوفٌ أنقذه الجمال من قسوة العالم

بسمة نسائية/ عزيزة حلاق

هناك مفكرون نقرأ لهم، وهناك قلة نقرأ فيهم معنى الإنسان نفسه. هكذا بدا لي الفيلسوف

وعالم الاجتماع الفرنسي ادغار موران، ليس فقط كمفكر كبير طبع القرن العشرين بأفكاره، بل كتجربة إنسانية كاملة، ظلت تحتفظ بدهشتها الأولى رغم عبور أكثر من قرن من الحياة.

ذات مساء من أمسيات المهرجان الدولي للفيلم بمراكش، لمحته عند نهاية عرض سينمائي، وسط زحمة الخارجين من القاعة. كان يسير بهدوء إلى جانب زوجته المغربية، الكاتبة صباح بن سلام، ابنة مراكش، المدينة التي اختار ادغار أن يقضي بها جزءاً من السنة، لأنها ـ كما يقول ـ تمنحه الشمس والدفء ومسافة التأمل الضرورية لفهم ما يمر به العالم من تحولات وأسئلة كبرى.

لم يكن حضوره صاخباً، بل بسيطاً وعميقاً في الوقت نفسه. رجل تجاوز اليوم الرابعة بعد المئة من عمره (104 سنة)، لكنك لا تشعر أمامه بثقل السنوات، بل بخفة روح ما تزال تحتفظ بفضول طفل وابتسامته. كان يحيي الجميع بعفوية نادرة، كأن المعرفة الحقيقية لا تصنع المسافة بين الناس، بل تقرّبهم أكثر من إنسانيتهم.

ذلك المشهد عاد إليّ بقوة وأنا أستمع إلى كتابه عن الجمال، ضمن سلسلة الكتب المسموعة التي أصبحت هوايتي الليلية.

فهذا الكتاب لا يشبه الأطروحات الفلسفية الباردة التي تشرح معنى الجمال من الخارج، بل يبدو كأنه اعتراف داخلي لرجل عاش الحرب والحب والفقد، واختبر انهيار الأيديولوجيات وصعودها، ثم انتهى إلى قناعة أخيرة: أن الجمال ليس ترفاً ثقافياً، بل ضرورة إنسانية.

في صفحاته، يتحدث موران عن الفن والموسيقى والشعر والطبيعة والحب، باعتبارها ما ينقذ الإنسان من التوحش واللامعنى. كان يرى أن العالم لا يمكن إنقاذه بالعقل وحده، وأن المعرفة إن انفصلت عن الشعور والإحساس الإنساني تصبح ناقصة ومجردة. لذلك بدا كتابه أشبه برسالة متأخرة من رجل خبر القرن بكل مآسيه، لكنه لم يفقد قدرته على الدهشة.

ففي كتابه، ثم لاحقاً في نصوصه عن الجمال والحب والشعر، بدا وكأنه يصل إلى يقين أخير: أن الإنسان لا يعيش بالعقلانية وحدها، بل أيضاً بالشعر.

ومن أجمل ما يتردد في فكره قوله:

“الحياة لا تُعاش فقط بالعقلانية، بل أيضاً بالشعر.”

بعد قرن تقريباً من الحياة، والحروب، والفقد، واكتشاف هشاشة العالم، رأى موران أن الجمال هو قدرة الإنسان على الدهشة رغم كل شيء. لم يعد مهتماً بالأفكار المجردة بقدر اهتمامه بما ينقذ الروح من القسوة: الحب، والفن، والقدرة على التأثر.

وفي أحد اللقاءات التلفزيونية، حين سُئل عما دفعه إلى الكتابة عن الجمال في سن 95 سنة؟ أجاب:” لم يكن ذلك نزوة فكرية متأخرة، بل خلاصة مسار طويل من التأمل في الإنسان والهشاشة والحياة

وعاد الرجل إلى طفولته البعيدة. تحدث عن يتمه المبكر في سن العاشرة، وعن السينما والأدب والشعر باعتبارها الأساس الحقيقي الذي تشكلت منه شخصيته. قال إنه اكتشف ذاته العميقة من خلال الأدب والفن، وإن رواية الجريمة والعقاب، وكذلك السمفونية التاسعة للموسيقار بيتهوفن، فتحت له أبواباً جديدة لفهم الإنسان.

كان يقرأ الأدب في البداية هرباً من الواقع، لكنه اكتشف أن الرواية والفن يعيداننا إلى الواقع بطريقة أكثر إنسانية وعمقاً. فمن خلال المسرح والسينما والروايات، نفهم البشر أكثر، ونرى ما وراء الأحكام السطحية. نتوقف عن احتقار المشردين أو السجناء مثلاً، لأن الأدب يكشف لنا هشاشتهم وآلامهم وظروفهم الإنسانية، ويجعلنا أكثر انفتاحاً على الآخر وأكثر قدرة على التعاطف.

كان موران يرى أن الفن لا يمنحنا المعرفة فقط، بل يمنحنا الإحساس أيضاً، وأن الإنسان يصبح أكثر فهماً للحياة حين تتحرك مشاعره، لا حين يكتفي بالتحليل البارد.

أدركت وأنا أقرأه أن بعض الناس يشيخ الجسد عندهم فقط، أما الروح فتظل يقظة، فضولية، ومؤمنة بأن العالم، رغم كل قسوته، ما يزال يستحق التأمل والجمال.

Exit mobile version