سبينوزا: الفيلسوف الذي دفع ثمن إعمال العقل

عباءة سبينوزا الممزقة: حين يصبح العقل جريمة

بقلم: عبد الله الشامي

في إحدى ليالي القرن السابع عشر، تعرّض الفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا لمحاولة اعتداء بسبب أفكاره الجريئة التي كسرت المسلّمات الدينية والسياسية لعصره. طُعن بخنجر من أحد المتعصّبين. لم تقتله الضربة، لكنها تركت أثرًا عميقًا في جسده وفي مساره الفكري.

بدل أن يُصلح عباءته أو يتخلّص منها، احتفظ بها كما هي: ممزّقة، شاهدة على ثمن التفكير الحر. لم يكن ذلك حنينًا إلى الألم، بل وعيًا بأن الحقيقة، حين تُقال بلا خوف، تصبح هدفًا.

سبينوزا، الذي نُفي من طائفته واتُّهم بالكفر والإلحاد، لم يكن يسعى إلى استفزاز أحد. كان يبحث عن انسجام العقل مع الطبيعة، وعن إله لا يُختزل في مؤسسات ولا يُحتكر باسم الطقوس. بالنسبة إليه، كان التفكير عبادة، والحرية شرطًا للإيمان الصادق.

لكن هذا الموقف جعله في مرمى الكراهية. ففي زمنٍ كانت فيه السلطة الدينية والسياسية متحالفتين، كان كل عقل مستقل يُعدّ خطرًا. لذلك لم تكن الطعنة حادثًا معزولًا، بل نتيجة منطقية لواقع يرفض السؤال.

تحوّلت العباءة الممزقة إلى رمز شخصي: تذكار دائم بأن الفيلسوف لا يعيش في برجٍ عاجي، بل في قلب صراع الأفكار. وأن الدفاع عن العقل قد يكلّف العزلة، الفقر، وربما الحياة نفسها.

ورغم ذلك، لم يتراجع سبينوزا. واصل الكتابة بهدوء، وعاش حياة بسيطة يعمل في صقل العدسات، رافضًا المناصب والإغراءات. كان يؤمن أن الحرية الداخلية أغلى من أي امتياز خارجي.

اليوم، بعد أكثر من ثلاثة قرون، ما زالت عباءة سبينوزا الممزقة تسائلنا:

هل نحن مستعدون لدفع ثمن الحقيقة؟

هل نملك شجاعة التفكير خارج القطيع؟

لقد فهم سبينوزا باكرًا أن أخطر ما يواجه الإنسان ليس الجهل، بل الخوف من المعرفة. لذلك احتفظ بعباءته، لا كتذكار جرح، بل كوسام شرف:

وسام من اختار العقل… في زمنٍ كان يُعاقَب فيه العقل.

وُلد باروخ سبينوزا سنة 1632 في أمستردام، لعائلة يهودية من أصول برتغالية هاجرت هربًا من الاضطهاد الديني. نشأ في بيئة محافظة وتلقى تعليمًا دينيًا صارمًا، لكنه سرعان ما بدأ يطرح أسئلة اعتُبرت خطيرة.

بسبب أفكاره النقدية، تعرّض للطرد والنفي من الطائفة اليهودية سنة 1656، في قرار قاسٍ جعله منبوذًا اجتماعيًا ودينيًا. عاش بعدها حياة متقشّفة، واشتغل بصقل العدسات ليضمن استقلاله المادي، رافضًا كل ما قد يقيّد حريته الفكرية.

توفي سنة 1677 عن عمر 44 عامًا، متأثرًا بمرض رئوي يُرجّح أنه ناتج عن استنشاق غبار الزجاج، تاركًا وراءه واحدًا من أعمق المشاريع الفلسفية في التاريخ الحديث.

الله والطبيعة: وحدة الوجود

أكثر أفكار سبينوزا إثارة للجدل قوله إن الله والطبيعة شيء واحد. فالإله عنده ليس كائنًا منفصلًا يحكم من السماء، بل جوهر الوجود نفسه، حاضر في كل شيء.

بهذا التصوّر، حرّر الإيمان من الخوف وربطه بالفهم، فاعتُبر ملحدًا، بينما كان يرى نفسه مؤمنًا بعقلانية عميقة.

العقل بدل المعجزة

رفض سبينوزا تفسير العالم بالخوارق. كان يؤمن بأن الطبيعة لا تخالف قوانينها، وأن لكل ظاهرة سببًا يمكن فهمه. لذلك دعا إلى قراءة عقلانية للنصوص الدينية، حيث يكون الدين أخلاقًا وسلوكًا، لا قصصًا خارقة.

الحرية: أن تفهم لا أن تفعل ما تشاء

عند سبينوزا، الحرية ليست فوضى. الحر هو من يفهم دوافعه، ويضبط انفعالاته، ولا يكون عبدًا للخوف أو الغضب أو الكراهية.

باختصار:

نحن لا نكون أحرارًا حين نتبع رغباتنا، بل حين نفهمها.

الأخلاق: من الانفعال إلى الحكمة

في كتابه الكبير “الأخلاق”، حلّل سبينوزا المشاعر الإنسانية بدقة مذهلة. لم يرَ في الخوف أو الحسد أو الغضب خطايا، بل ظواهر طبيعية يمكن فهمها والتحكم فيها.

هدف الفلسفة عنده: أن ننتقل من الانفعال الأعمى إلى الفعل الواعي، ومن الاضطراب الداخلي إلى السلام النفسي.

ضد الاستبداد باسم الدين

دافع سبينوزا عن حرية التعبير والتفكير، ورفض توظيف الدين في خدمة السلطة. كان يرى أن الدولة القوية هي التي تحمي عقول مواطنيها، لا التي تراقبها.

لهذا مُنعت كتبه، وطوردت أفكاره، لكنه ظل ثابتًا على مواقفه.

سعادة العقل

السعادة عند سبينوزا ليست مالًا ولا شهرة ولا سلطة، بل فهم عميق للذات وللعالم.

هي الفرح الناتج عن المعرفة، والتصالح مع قوانين الوجود، والعيش دون أوهام.

Exit mobile version