دوستويفسكي عن فلسفة البوح

البوح بين الغرباء والمقربين: فيلسوف الألم دوستويفسكي

بقلم: عبد الله الشامي

دوستويفسكي لم يكن مجرد روائي عظيم؛ بل كان فيلسوفًا للروح البشرية، قارئًا خبيرًا لدهاليز النفس ومآزقها الخفية. ومن بين الأفكار العميقة التي بثّها في رواياته، فكرة تبدو بسيطة لكنها كاشفة: الفرق بين البوح للغرباء والبوح للمقربين.

يعتقد كثيرون أن الإنسان حينما يريد أن يخفّف من أثقال قلبه، فإن الأذن الطبيعية التي يلجأ إليها هي أذن الصديق أو القريب. غير أن دوستويفسكي قلب هذه القاعدة رأسًا على عقب، مبينًا أن البوح للمقربين قد يكون الأصعب على الإطلاق. لماذا؟ لأنهم يعرفوننا حق المعرفة، ويملكون سلطة خفية على صورتنا أمامهم. البوح أمامهم يعرّينا، يضعفنا، ويغيّر مكانتنا في أعينهم. إنهم جزء من الحكاية، وبالتالي جزء من الحكم.

على العكس، الغرباء لا يعرفون من القصة سوى ما نقدمه لهم. هم صفحات بيضاء، نكتب عليها ما نشاء. حين نبوح لهم، نشعر براحة عجيبة: لا تهديد لصورتنا، لا خوف من فقدان مكانتنا، لا تداخل للمصالح. إنهم يتلقون الكلام ببراءة، يتعاطفون معنا من دون أحكام مسبقة، ويبكون ويضحكون وكأننا أبطال روايتهم الوحيدة.

في عمق هذا الطرح يكمن جوهر فلسفة دوستويفسكي: الإنسان لا يبحث فقط عن من يفهمه، بل عن من يمنحه حرية أن يكون نفسه بلا قيود. الغرباء يمنحون تلك الحرية، بينما الأصدقاء والمقربون ـ بغير قصد ـ يقيدونها.

لكن المفارقة أن هذا البوح للغرباء عابر، مؤقت، يزول برحيلهم. إنه عزاء لحظي، لكنه يكشف هشاشتنا واحتياجنا إلى الآخر. ودوستويفسكي، الذي عاش معاناة السجن والفقر والمرض، كان يعرف أن الإنسان يظل مشدودًا إلى ثنائية متناقضة: الرغبة في الانكشاف والخوف من الانكشاف.

هكذا، تصبح لحظة البوح عنده فعلًا وجوديًا، يمس جوهر علاقتنا بالذات وبالآخرين. الغرباء يمدون جسور الراحة العابرة، بينما المقربون يضعوننا أمام امتحان الحقيقة الدائمة.

 

 

Exit mobile version