حديث بسمة/ عزيزة حلاق
صور زليخة*
في مشهد إعلامي يعاني من ندرة البرامج الثقافية الجادة، يطل برنامج “نافذة” على قناة ميدي 1 كاستثناء يستحق التنويه. ليس فقط لأنه يخصص مساحة للثقافة، بل لأنه يعيد الاعتبار لفعل الحوار في زمن السرعة والاختزال.
بإطلالة مريحة، تنشّط الإعلامية اعتماد سلام هذا البرنامج، وهي صحافية شابة تمتلك حسًا مهنيًا لافتًا. تُتقن فن الإصغاء بقدر إتقانها لطرح السؤال. لا تبدو أسئلتها عابرة أو جاهزة، بل مشغولة بخلفية معرفية واضحة، وببحث يسبق اللقاء، ما يمنح كل حلقة خصوصيتها، تبعًا لتميّز الضيف وعمق فكره.
الأهم من ذلك، أنها لا تزاحم ضيوفها بالكلام، بل تفسح لهم المجال للبوح، فتتحول الحوارات إلى لحظات إنصات حقيقية، لا إلى استعراضات لفظية.
ومن بين الحلقات التي تابعتها باهتمام خاص، تلك التي استضافت كاتبًا من طينة المثقفين الحقيقيين؛ عبد النبي داشين، مثقف لا يلوذ بالادعاء ولا يستند إلى البهرجة، بل ينهل من عمق التجربة وصدق الرؤية.
جاء حضوره في هذا اللقاء بنبرة مختلفة، أعقبت وعكة صحية ألمّت به. وقد تفاعل مع سؤال ذكي مستوحى من آخر أعماله “لا أحد ينتظرني”، فبدا مشوبًا بشيء من التأمل والهدوء، وكأن التجربة التي مرّ بها أعادت ترتيب علاقته بالكلمة، ومنحتها معنى أكثر كثافة وصدقًا.
دار الحوار حول الكتابة في علاقتها بالغياب والعزلة، وعن الصداقة، وكيف يمكن للمحنة أن تتحول إلى منحة. لم يكن الحديث تنظيريًا بقدر ما كان صادقًا، نابضًا بتجربة إنسانية عميقة، حيث بدت الكتابة كملاذ، وكوسيلة لإعادة ترميم الذات. في تلك اللحظات، لم يكن الضيف يتحدث فقط عن الإبداع، بل كان يعرّي هشاشتنا أمام المرض، ويمنح للتجربة معناها الأكثر صدقًا.
هنا تحديدًا، تتجلى قيمة هذا البرنامج: في قدرته على التقاط هذه اللحظات النادرة، حيث يلتقي الفكر بالتجربة الانسانية، ويصبح الحوار مساحة للكشف لا للتزيين.
ولعل ما نحتاجه اليوم، ليس فقط المزيد من البرامج الثقافية، بل هذا النوع من الحوارات التي تعيد للثقافة روحها، وتمنح للمثقف صوته الإنساني، بعيدًا عن الأقنعة الجاهزة.
اعتماد سلام استضافت داشين ليطل، عبر نافذتها، على محبيه وأصدقائه وقرائه… وكأنها تهمس له بمحبة خالصة، قائلةً باسْمِنا جميعًا: “كلنا في انتظارك… وفي انتظار إطلالاتك وإبداعاتك”.
*شكرٌ خاص للصديقة الصحافية زليخة على الصور التي زودتني بها من داخل البلاطو، وعلى تواطئها الجميل، مع اعتماد لترتيب هذا اللقاء مع الأستاذ داشين.
