بقلم: دامي عمر
في القلب خليط من الحنين والأسى، شعور يدفعني إلى الكتابة عن أسفي، لطالما عجب اصدقائي من تشبثي بها انا التي، في رأيهم، لم يعد هناك ما يربطني بها بعد موت الأعزة تباعا ..يسألونني لم لا أقيم حيث أبنائي، أحظى باهتمامهم، وأجنب النفس مقاما مؤلما؟ هل يفهم الناس أن عشق الأمكنة عبادة؟ تعشق مكانا لا تشم الروائح، ولا ترى الألوان، ولا تتذوق المذاقات إلا فيه، أما خارجه فأنت مجرد طيف..؟
في أسفي نحن مختلفون، بدرجة مؤذية أحيانا، وغير مفهوم، يقول الأسفي للأسفي: أنت عروبي أصاحبي، لولاي لما عرفت أن الزعفران تابل. يرد عليه الأسفي الآخر: لولاي لسففت زعفرانك، ولم تجد ما تطبخه به، يضحكان معا.. مختلفان، ولكنهما على قلب واحد في عشق هذه المدينة، مدينة لها من اسمها حظوظ.. أسفي؛ و يأسف المرء وهو يغادرها بعد أن يدخل بيوتها ويتعرف على أهلها، يقول الشاعر الإمام أبو حفص عمر بن عبد الله الفاسي:
لله دركم بني آسفي
نزيلكم يشفي من الأسف
حان الرحيل بعدما ألفت
نفسي بوصلكم فما أسفي
أخلاقكم كالعطر في نفس
ووجوهكم كالبدر في شرف
يأسف وهو يطلع على تاريخها ومؤهلاتها و يقلب عينيه في مظاهر بؤسها، يأسف وهو يحيط بما تركه التثار على جسدها من حروق ودمامل، يأسف وهو يطلع على تاريخها الجهادي والنضالي ،ويرى بأم عينه ما أخرجته الأيام من تحت جلدها من مسوخ بشرية ..مدينة بنيت لتكون قلبا مفتوحا على المحيط، مرفأ يستقبل الأجناس المختلفة بالترحاب منذ الفينيقيين إلى الأندلسيين والأفارقة، يكرم منهم من هو أهل للكرم، و يدحر كل غاصب أثيم منذ البرتغال إلى الفرنسيس .
المدينة التي كاد جمع الأصدقاء فيها أن يتفرق بسبب خلاف غريب ” من منهما تقبل هبته للمدينة ؛ مدرسة وطنية يرأسها الفقيه الهسكوري ،هل الحاج عبيد ( العروبي) ، أم الحاج المستاري ( المديني)؟ ” ، ويأسف المرء أكثر حين يرى هذه الجوهرة النائمة في حجر عبدة ، والمحاطة بقبائل الشياظمة واحمر ودكالة تعاني اليوم من العزلة القاتلة ،هي التي استقبلت جوابي الآفاق، علماء صلاح من رجراجة وسوس ووزان وجبل ماجر ..ثم وفي زمن آخر استقبلت عيوط الشياظمة من جبل حامون ودكالة سيدي بنور، وعيوط احمر ..وجاءها من الجزائر ومن فاس ومن السراغنة صناع وحرفيون مهرة أثروا صناعتها. وجاءها من الأندلس حفاظ الطبوع وحراس النوبات الأندلسية.
أسفي لمن لا يعرفها مدينة تعشق البحر لذا ،اعتلت قبور أمواتها الربوات ليتمتع الموتى بأروع انغماس للشمس في البحر بعد سفرها الطويل .، وتفنن أبناؤها في مشاكسته منذ الفتية الذين عبروا المحيط وأخفت آثارهم الروايات الغاشمة ، إلى” رع” ، الإثبات الصارخ والعملي للرحلة التي ظهرت مؤخرا على الارض الجديدة علامات صحتها .ومن عشقها للبحر أن أبدع أهلها في تحضير أطاييبه بما فاق الوصف من أكلات، إن على يد الأسفيات المسلمات ، بما فيهن الأندلسيات ، أو على يد اليهوديات .من يذكر لي من الآسفيين هنا كم وصفة يعرفها لسمك السردين ؟ كم وصفة يعرفها لسلطان الحوت او الباجو ؟ لصيغاغ؟
أهل أسفي يعشقون السماء غمسوا فرشهم في انعكاسها البحري وصبغوا أبوابهم ونوافذهم بالأزرق(الشيبي) ، وكان هو اللون الأساس للتزاويق التي ميزت أوانيهم الفخارية، تقول الآسفية وهي تشتري الطاجين: طاجين قشور الحوت شيبي” “حتى إذا زارها الضيف لا تودعه إلا وهي تسلمه بيديها مخفية فخار مليئة ب”المصبان” وأخرى ب”الكعك” وهي تعتذر كأنها مقصرة.
أهل أسفي عشقوا الطين، شكلوا منه عجيب صنائعهم، وأبدعوا في التقنيات وزادهم رسوخا فيه تأسيس أول مدرسة للسيراميك في أسفي سنة 1920، وفتحوا قلوبهم للمعلمين والمتعلمين من كل بقاع الأرض ولم يبخلوا على أحد، حتى صار المتعلم معلما، وبات الصانع سيدا وإن كان غريبا، إذ لا غريب هنا مهما كان دينك أو لونك ما دمت منصهرا في بوثقة هذا العشق المشترك: أسفي
عشق أهل أسفي العلم والعلماء، الصلاح والأولياء، فرشوا لهم ملاءات التوقير ومنحوهم المقام الطيب واحتفوا بهم أيما احتفاء، حتى إذا مات الواحد منهم أقاموا له ضريحا، و استمروا في ذكره ذكرا طيبا من الشيخ أبي محمد صالح إلى الشيخ الجزولي إلى لالة موعلي إلى زينب الكوابلية إلى لالة فاطنة بنت امحمد وهلم جرا..
ولا يقل لي أحد هذا تخلف وتشبث بالخرافات؛ وإن كان الجهل بالتاريخ، قد نحا بالناس منحى مماثلا، لكنني أراه من صميم طيبة أهل البلد لذين إذا زارهم ضيف في بيتهم رأيتهم هم الضيوف ورأيت الضيف سيدا.
عشق أهل أسفي جل الصناعات، لم تكن تجد امرأة، إلا وتتقن صنعة من الخياطة والنسيج بأنواعه، صبغن الصوف بأيديهن، أخذن البورب من المحار والزويولة أو لون الغروب من مزيج قشر الرمان والدباغ، وعنق حمام والخرشفي ووو ..ثم انتشرت صناعة التريكو والطرز واشتهرت المعلمات الجليلات كلالة الياقوت(حبيبتي) وغيرها، واشتهر بائعو الصوف الجيدة أمثال بنزاكين والحاج الحيمص رحمه الله، تفنن الصناع في خياطة الجلباب الرجالي والقفطان بنوعيه.
عشق الأسفيون الحياة ،منحوها رغيدة آمنة لمن وفد عليهم من كل حدب وصوب بأوامر سلطانية أو لضرورات تفسر حسب سياقها ودواعيها من أهل الأندلس ،وأهل وزان القادمون من وزان، و القادمون من قبائل شتى، المنتمون لغير دين الغالبية من يهود ونصارى.
أعطى الأسفيون بتسامح شديد وأخذوا بشغف كبير ،لهذا تجد في الريبرطوار الأسفي مزيجا غريبا من أنواع الموسيقى لايتسع لها إلا ذوق رفيع تشرب الفن وأحاط بمساربه ؛ الرجل الذي كان يستمع لنوبات الآلة التي كانت تداع على أمواج الإذاعة المغربية الساعة الواحدة وكأنه ينصت لقداس ديني ، تخبو الأصوات وتنقطع الحركة لقيلولته الأثيرة ،هو نفسه الذي كان يحرق عمامته وهو ينصت لعيوط الحصبة والرادوني ،وهو نفسه الذي كان يمسك الدف في فرقة الملحون ..ثم هو نفسه تجده صوفيا منشدا في الزاوية الوزانية أو القادرية .وأزيدك إنه هو نفسه الذي كان ينصت إلى أم كلثوم ليلة الخميس ،ويشارك الشباب أغاني البيتلز والبينك فلويد وأغاني ميغري مع فرقة الشباب بريسل الآسفيين.
تعامل سكان أسفي مع السلطة برقي واحترام متبادل، لكن في نفس الوقت عرفوا بقوة مراسهم وعشقهم للحرية ونصرتهم للحق، و بوطنية مكنتهم من التوقيع على وثيقة المطالبة بالاستقلال وهم عبد السلام المستاري، محمد البوعمراني ومحمد بن عبد الرحمن السعداني ومحمد الخضير ولا أدري أيهما وقع باسم مدينة أخرى ولكنهما معا من أعمدة المقاومة بأسفي ، مع استثناء الفقيه محمد الهسكوري والفقيه ادريس بناصر خوفا عليهما من الاعتقال لما كان لهما من دور ديني وتعليمي في المدينة . وبعد الاستقلال نشطت الحركة الحزبية والنقابية في المدينة، وصنفت المدينة ضمن مدن المعارضة، وأدى أبناؤها فاتورة مواقفهم، ولعل المدينة لم تخرج بعد من وسمها أو لعل من يريد بها أن تكون بقرة يعصر ضرعها حتى الإدماء، يستغل تاريخها كما يراه واقفا عند ويل للمصلين.
لقد عانت المدينة من ظلم التاريخ وضعف الذاكرة المشترك، وعانت من الجغرافيا وأخطاء التمدين المجحف وعانت من الاقتصاد وجشع الرأسمال، وعانت من السياسة وتكالب الوصوليين والسراق.
تجتمع كل هذه المعاناة التي عرتها ساعة غيث، صيب خير تحول إلى وابل من دمار .. الماء بريئ من دماء الموتى براءة الذئب من دم يوسف، الماء لم يقتل أحدا، القتلة يتجولون بيننا، ويبعثون لنا بكلمات التعزية والنظرات المتأسفة، القتلة ما يزال عندهم من الوقت والهدوء ما يمكنهم من ربط كرفاتتهم وتلميع أحذيتهم وتلاوة الفاتحة، ولديهم من الوقت ما يكفي لمحو السوءات وتدوير النكبات.
من يجيبني منهم، ماذا فعلتم بأملاك الماء،. بطريقه وممشاه، بذاكرته؟! والماء أعمى لا عين له وإلا لكان طاردكم في علياتكم وقصوركم عوض أن يجرف “غزلان” و”مي جميلة” والباقين، عوض أن يزيد الفقر فقرا، ويهدم الدكاكين المسكينة على رؤوس أثقلها الغم والهم قبل أن تغمرها الفاجعة.
لكنني مؤمنة بأن مدنا كأسفي ستستعيد عافيتها بسواعد رأيناها تنتشل من الوحل أرواحا لم يزهقها الماء ولا القدر كما يدعي الجاهلون، بل أزهقها المجرمون الذين لابد من خضوعهم للقانون في دولة القانون.
