غزة تبكي مريم… شهيدة الحقيقة والصحافة

مريم أبو دقة.. شهيدة الكاميرا في زمن صمت العالم
حديث بسمة/ عزيزة حلاق
“كم هي تافهة الحياة…”
هكذا كتبت الصحفية الفلسطينية مريم أبو دقة قبل ساعات من رحيلها، وكأنها كانت تودّع العالم بكلمات موجعة تلخص قسوة القدر.
التحقت اليوم الاثنين 25 غشت 2025، الصحافية الفلسطينية مريم أبو دقة بقافلة النساء اللواتي قدّمن حياتهن ثمناً للحقيقة ولواجب المهنة. كاميرتها صمتت تحت أنقاض مجمّع ناصر الطبي بخان يونس، بعد أن استهدفها القصف الإسرائيلي وهي تقوم بعملها الميداني.
مريم لم تكن الأولى، ولن تكون الأخيرة، في سجل طويل من الصحفيات الفلسطينيات اللواتي دفعن ثمن الكلمة والصورة. قبلها اغتيلت شيرين أبو عاقلة في جنين سنة 2022 وهي ترتدي سترتها الصحافية، وتبعتها أسماء أخرى مثل دعاء الزبن وغيرهن، وجوه نسائية واجهت آلة الحرب بالكاميرا والقلم.
الأرقام وحدها تصرخ بحجم المأساة. فمنذ اندلاع العدوان على غزة في أكتوبر 2023 وحتى يونيو المنصرم، استُشهد أكثر من 226 صحافياً، بينهم ما لا يقل عن 30 صحفية، بحسب تقارير النقابة الفلسطينية ومنظمات دولية. رقم لم يعرفه تاريخ الحروب الحديثة، جعل من غزة أخطر مكان في العالم على الصحفيين.
لكن الفاجعة لا تكمن في الأرقام فقط، بل في طبيعة الاستهداف: قصف منازل فوق رؤوس الصحفيين وعائلاتهم، استهداف سيارات تحمل شارة “صحافة”، ملاحقة فرق إعلامية عبر المسيّرات، وضرب المستشفيات والمراكز الإعلامية. ليست “أضراراً جانبية”، بل سياسة ممنهجة هدفها إسكات شهود الحقيقة.
ورغم وضوح الجريمة، يخيّم على المشهد صمت دولي مخزٍ. مؤسسات تزعم الدفاع عن حرية الصحافة تكتفي ببيانات باهتة، وحكومات ترفع شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان تغض الطرف. وكأن دم الصحفي الفلسطيني أقل قيمة من غيره.
رحيل مريم أبو دقة لا يختزل في دمعة حزن. إنه جرح في ضمير العالم، ورسالة تقول إن المرأة الفلسطينية لم تعد فقط شاهدة على المأساة، بل أصبحت شهيدة لها. مريم كتبت بالدم ما عجزت المواثيق الدولية عن حمايته، وأثبتت أن الصحافة الحرة في فلسطين مقاومة من نوع آخر.
آخر ظهور لمريم كان في مقطع فيديو نشرته على “إنستغرام” عبر خاصية “الستوري”، قبل ساعتين من استشهادها. بدت في المصعد على أنغام أنشودة “الجنة بتستنى”… وكأنها كانت تمشي نحو موعدها الأخير مع الخلود.
إلى جانبها، استشهد اليوم أيضاً ثلاثة من زملائها الصحفيين:
حسام المصري، مصور مع وكالة رويترز.
محمد سلامة، مصور قناة الجزيرة.
معاذ أبو طه، صحفي شبكة NBC الأميركية.
لكن أكثر ما يعتصر القلب هو وصيتها المؤثرة لابنها الوحيد غيث، الذي ودّعته بكلمات تختصر معنى الأمومة والمقاومة:
“سامحيني يا غيث إن رحلت مبكراً… لكن تذكّر دائماً أن أمك رحلت وهي تحمل كاميرتها، لتبقى صورتك وصورة فلسطين أجمل من ركام الحرب.”
رحلت مريم جسداً، وبقيت روحها وصورتها، لتذكّرنا أن الصحافة في فلسطين ليست مجرد مهنة، بل شهادة ووصية وذاكرة لا تموت.