حديث بسمة/ عزيزة حلاق
ليس مألوفاً في عالم السياسة أن يعلن مسؤول مغادرته لأنه لم يعد يشعر بالشغف نفسه الذي رافقه في بداية مساره. غالباً ما نسمع عن استقالات تفرضها الفضائح أو الأزمات أو الصراعات داخل دوائر الحكم. لكن “غي بارمولان”، وزير الاقتصاد السويسري والرئيس الدوري للكنفدرالية السويسرية سنة 2026، اختار أن يعلن نهاية تجربته الحكومية بعد أحد عشر عاماً، مؤكداً أن الوقت حان لإفساح المجال أمام طاقات جديدة.
قال بارمولان: إن الشغف بالعمل لم يعد قوياً كما كان في البداية”، موضحاً أن قراره لا علاقة له بوضعه الصحي. ثم أطلق عبارته التي تستحق التوقف عندها: “المقبرة مليئة بالأشخاص الذين اعتقدوا أنهم لا غنى عنهم“.
قد تبدو العبارة، للوهلة الأولى، مجرد حكمة عابرة، لكنها تفتح نافذة على سؤال جوهري في الممارسة السياسية: هل يدرك المسؤول أن المنصب محطة في مساره المهني، أم يتحول، مع مرور السنوات، إلى جزء من هويته، فلا يعود يتصور نفسه خارج السلطة؟
بارمولان يغادر بعد أكثر من عقد في الحكومة الفدرالية، تنقل خلاله بين وزارة الدفاع ووزارة الاقتصاد، وواكب جائحة كورونا، وتعامل مع ملفات اقتصادية وتجارية ودبلوماسية معقدة. وهو يعلن نهاية تجربته في وقت تواجه فيه سويسرا تحولات جيوسياسية وتحديات اقتصادية، مؤكداً أن بلاده مطالبة بالتكيف مع عالم لا شيء فيه مضمون إلى الأبد.
ومع ذلك، لم يجعل من صعوبة المرحلة مبرراً للتشبث بالمنصب. تحدث عن تراجع الشغف، وعن عبء المسؤولية، وعن الحاجة إلى تجديد الطاقات واتخاذ القرار حين يحين أوانه. وهي تفاصيل تطرح مسألة لا تتعلق بشخصه وحده، بل بثقافة سياسية تسمح للمسؤول بالتفكير في الرحيل من دون أن يُنظر إلى ذلك باعتباره هزيمة أو اعترافاً بالفشل.
في المقابل، تقدم تجارب سياسية أخرى صورة مختلفة تماماً: مسؤولون يتمسكون بالكراسي رغم الأزمات، ومنهم من تحيط بمساراتهم قضايا فساد أو تضارب مصالح، ويتعاملون مع التداول على السلطة باعتباره تهديداً شخصياً، ويختزلون استقرار الدولة في استمرارهم في الحكم. وقد يصل الأمر، في بعض الحالات، إلى التضييق على المعارضين، حفاظاً على موقع لا ينبغي، في الأصل، أن يكون ملكاً لأحد.
هنا تتضح المفارقة: في تجربة، يصبح تراجع الشغف مناسبة للتفكير في نهاية المسار وإفساح المجال للآخرين؛ وفي تجارب أخرى، لا تكفي الأزمات ولا معاناة الشعوب لإقناع المسؤول بأن للسلطة أجلاً، وأن الدولة أكبر من الأشخاص.
فالسياسة ليست امتلاكاً أبدياً للسلطة، بل مسؤولية مرتبطة بزمن وتكليف تحكمه المؤسسات. ونجاح المسؤول لا يُقاس فقط بما يحققه خلال وجوده في المنصب، وإنما أيضاً بمدى احترامه للمؤسسات، واستعداده لقبول التداول، وقدرته على إدراك أن هناك من يستطيع مواصلة الطريق بعده.
أما عبارة بارمولان عن الذين اعتقدوا أنهم لا غنى عنهم، فتستحق أن تُقرأ خارج حدود سويسرا، في كل مكان تتحول فيه المناصب إلى مواقع يصعب التخلي عنها، وحيث يصبح الرحيل استثناءً اضطراريا، بدل أن يكون احتمالاً طبيعياً في الحياة السياسية.
« Personne n’est indispensable. »
هي خلاصة تختزلها قولة تستحق أن يعيها كل مسؤول، مهما طال بقاؤه في المنصب.
