بقلم: مريم أبوري
ينشطر غلاف المجموعة القصصية “غرف ومرايا” للكاتبة لبيبة خمار إلى فضاءين، مجسّدًا انعكاس المرايا التي تعد فاصلاً بين الذات وصورتها، وبين ظاهر النفس وباطنها.
فالجزء العلوي الأبيض يرمز إلى الغرف كمساحة خاصة، ترتع فيها العزلة كما تحب، وينتعش فيها التأمل، حيث يسود بياض الذاكرة وهدوؤها، قبل أن تقتحمها الكاتبة لتقلب في خباياها. بينما يمثل اللون الأزرق الداكن في الشطر الأسفل المرايا وأعماق الذات الدفينة؛ إذ يحاكي تدرج الأزرق عمق هذه الذات، وولوجًا إلى دهاليزها وطبقاتها المتعددة التي ترمز إليها الخطوط.
ويظهر المنحدر المتصاعد كمسار صعب الوقوف عليه، نرى فيه طفلة تنزله بحذر، وهي تلقي نظرة على الغرف والمرايا، وعلى الزهور الحمراء المتناثرة على طول المنحدر؛ تمامًا كما هي متناثرة في نصوص القصص، مثل قصة «زهرة النساء». وهي زهور تجسد الجمال الممزوج بالوجع في نفوس تتوارى داخل غرف تعكس حكاياتها المرايا. قد تكون الطفلة صاحبة إحداها، أو هي هنا لتشاهد في المرايا انعكاس هذه الحكايات، وتستفيد منها كي لا تذوق هي الأخرى الوجع الذي ينزف منها.
كُتبت المجموعة بلغة سردية جميلة وشعرية، حيث وظفت الكاتبة رصيدًا لغويًا ثريًا لسبر أعماق شخصياتها بأبعاد فلسفية وسيكولوجية. فالغرف تمثل المساحات المغلقة على الأسرار، التي تنعكس في المرايا كمواجهة بين الذات والآخر.
تبدأ الكاتبة مجموعتها بعبارة: «إلى الموت واستعاراته، أهدي قصصي المترابطة»، لتفصح عن أنه، رغم استقلالية كل قصة وانفصالها عن الأخرى، فإن هذا الإهداء يشي بترابطها. إنها كغرف متجاورة في بيت واحد؛ يفضي الخروج من إحداها إلى الدخول في الأخرى، لتمتد حكايات الغرف فيما بينها عبر أروقة المرايا.
والموت هنا ليس مجرد غياب، بل هو المرآة الأخيرة في غرفة الحياة؛ المرآة التي تعرّي الإنسان وتضعه أمام حقيقته المطلقة.
هذه المجموعة القصصية، الصادرة عن دار النشر «الموجة الثقافية»، هي حكايات نساء كُتبت برحيق الزهور، ومرويات غاصت في آبار الأنثى التي قيّدها المجتمع فبدّد أحلامها. إنها حكايات لمكاشفة الذات والآخر عبر التوظيف الرمزي؛ إذ تناولت موضوعات كالاغتصاب، والخيانة، والجنس، والحرية، والحب، وأشياء أخرى، دون تسميتها بأسمائها المباشرة، بل عبر استعارات ذكية، كالروائح، والأزهار، والبرد، والشجر، وبين الفخذين، والكرز، وريحانة، والألم، والنشوة…
ومما يميز أسلوب الكاتبة لبيبة خمار الابتعاد عن الاستطراد والحشو، والاعتماد على التكثيف والإيجاز، من خلال صياغة ومضات قصصية ومشهدية تترك المجال واسعًا لتأويل القارئ. كما نوّعت في استخدام ضمائر السرد بين المتكلم والغائب، مما كسر نمطية الحكي، وساعد على رصد الوقائع من زوايا متعددة؛ تمامًا كما تتعدد الصور وانعكاساتها على المرآة.
لقد استطاعت الكاتبة أن تنسج عملاً أدبيًا يوازن بين طرح الطابوهات بجمالية فكرية وأدبية، ودون تمييع لقضايا المرأة أو إغفال لحضور الرجل. وبذلك تفتح للقارئ أبواب غرف حكاياتها، فيدخلها لا ليتعرف على الشخصيات ووجعها فحسب، بل ليشهد كذلك انعكاس نفسه وذاته في مرآته الخاصة، المعلقة على حائط عمره بخيط رفيع مشدود بين الحياة والذاكرة والموت.
