بقلم: مريم أبوري
يبدأ الغلاف بعنوان يثير الدهشة: “تيه المرايا وسفر الظلال”؛ عنوان يطرح علينا تساؤلا مستفزا: هل يمكن للمرايا أن تتيه وتحار في عكس الصورة التي أمامها، فتتطاير منها انعكاسات متعددة تتراوح بين الحقيقة ومتاهات الانعكاس؟! أم أن “سفر الظلال” هو اكتشاف جديد وتخل عن المألوف في رحلة إلى عوالم غير مرئية لتعقب ظل الأمكنة في رحلة وجودية؟!
صُمم العنوان بخط واضح واللون الأسود، رمز التيه والظل، على أرضية رمادية تشبه أرض التيه والمتاهة التي يدعونا إليها الكاتب عبد العزيز كوكاس.
وتكتمل اللوحة بصورة يدين مرفوعتين، كأنهما تستغيثان ووتبحثان عمن ينقذهما من عتمة التيه والعجز والضياع؛ كتلة سوداء لجسد مسافر بلا ملامح، هو التيه داخل الظل. لتأتي كلمة ” رحلات” لتؤكد أن ما سنعيشه بين طيات هذا الكتاب/ السفر ليس مجرد رحلات سياحية عادية وعابرة، بل هي رحلات تيه وجودية تدعو القارئ إلى التأمل قبل بدء القراءة، وتَعِدُهُ وتُعٍدُّهُ لرحلة فكرية عميقة ومقلقة.
يكشف لنا الكاتب عبر 230 صفحة أن السفر الحقيقي ليس مجرد انتقال جغرافي من مكان إلى آخر في رحلة سياحية، بل هو لحظة مكاشفة للذات وإعادة ترتيبها من الداخل. فعند مغادرة البيئة المألوفة، يسقط عن المسافر قناعه الروتيني، لتعكس المدن والأمكنة ظلال مخاوفه وقلقه… المختبئين وراء ذلك القناع.
يتعمق الكتاب في رصد لحظات الدهشة الأولى، والارتباك ووالتوجس اللذين يعيشهما المسافر عند اكتشاف عوالم جديدة. هناك يتحرر من رتابة العادات وقيود الروتين، فيكون السفر فرصة له كي يتخفف من اثقال هويته المحلية ليصبح مواطنا عالميا ولو مؤقتا. وليدرك من خلال الاحتكاك بثقافات أخرى أن قناعاته ليست هي الحقيقة الوحيدة، مما يعلمه التسامح وقبول الآخر بكل اختلافاته.
تحفر في ذاكرته تفاصيل صغيرة لا تمحى؛ لحظة عابرة في مقهى صغير بحي لا إشارة له في دليل السياحة، أو محطة قطار تثير الرهبة، أو شارع مجهول الملامح …ليعبر تيه “المرايا” عن حالة التشتت والضياع حين تنعكس صورة المسافر في عيون الغرباء وهو يتسكع في شوارع المدن بدون وجهة محددة.
يصبح المارة والأماكن التي تحتضنه أو تبعده عنها مجرد ظلال يلمس أثرَها روحُه دون أن يستطيع الاحتفاظ بهم، فيجد نفسه يتعقب تلك الظلال العابرة التي تسكن وجدانه حتى بعد عودته إلى وطنه وشوارعه و بيته و أهله، مقهاه الاعتيادية…
ووكعادةالكاتب عبد العزيز كوكاس، فقد تناول السفر من زوايا قد لا ينتبه إليها الآخرون؛ إذ خرج عن المألوف البسيط والمبسط، فلم يكتب كتابا يصف فيه المدن التي زارها كمصور هاوٍ، بل أخذنا معه في رحلة تأمل في السفر الحقيقي الذي يجعل الإنسان يسافر إلى ذاته بمجرد ما يغادر وطنه. طار بنا عبر ستة أسفار؛ غاص في السفر الأول في مفهوم العبور وفي فلسفة التيه، و قارن مثلا بين السفر والموت؛ حيث السفر اقتلاع مؤقت من الحياة المستقرة، و أسقط مشاهد يوم الصراط على مرور المسافر أمام رجال الأمن والحدود.
أما في السفر الثاني فقد رصد فضاءات العبور؛ حيث تبقى الهوية معلقة في المطار، و يتحول الميناء إلى مرآة الراحلين ورصيف العابرين على أطراف الماء، و تغدو محطة القطار مكانا لا تعدو فيه الحقائب كونها مجرد و عاء للملابس .
أما في السفر الثالث لقد شاركنا الكاتب إحساس المسافر بغربة اللسان عندما يخسر لغته عند الحدود ، ويخسر يقيناته، وحين تعاد صياغة هويته في عيون الغرب: “…حين تقول ‘أنا من المغرب’، تجدهم يختزلونك في طاجين تفوح منه روائح البطاطس ولحم الماعز، أو كسكس يُباع في عبوات سياحية، أو كأس شاي يُصب بيد معروقة، أو راقصة أحواش تهز كتفيها كأنها تشرح حضارة كاملة بإيماءة جسد. وتظل هناك هوة لا تردم بينك وبينهم: فأنت ابن حضارة أعمق من مذاق، وتاريخ أثقل من نغمة موسيقى فولكلورية… أنت ابن الفقد أيضاً، ابن قرون من الوجود المحذوف من خريطة الإدراك الغربي، ابن أسئلة تُطرح عليك لتُستهلك: هل عندكم سيارات؟ هل ترتدون جلابيب؟ هل لديكم الجواري والعبيد؟ هل لديكم إنترنت؟
كنت أتمنى أحياناً أن أصرخ في وجوههم: أنا من بلد فيه فلاسفة وأضرحة، فيه شعراء ولصوص، فيه مدن تموت واقفة وقرى تمشي حافية خلف الحلم… من بلد لا تفسره صورة على بروشور سياحي ولا راقصة في مهرجان فولكلور ولا حتى مباراة في المونديال… لكنني غالباً، أبتسم وأقول: نعم، من المغرب، ثم أمرّ وفي صدري يواصل الوطن روايته بصوت لا يسمعه غيري”.
فيفرض التساؤل الفلسفي الكبير «من أنا خارج بيتي؟” على المسافر بإلحاح حين تفقد لغته قدسيتها وتتعدد الألسن العصية على لسانه. لينتقل إلى السفر الرابع؛ حيث فضاءات السكون المؤقت والملاجئ العابرة؛ الفندق، شرفاته التي تطل على غربته، المقاهي التي تصبح ملاجئ دافئة للغرباء، المطاعم التي يُشكل فيها الطعام ذاكرة جديدة، والأرصفة التي تصبح مسارات هادئة.
أما السفر الخامس؛ فيقارن فيه الكاتب بين السفر الفردي والسفر رفقة الآخر (مع) “، “في السفر الفردي، أنت تُصغي للعالم بكل حواسك. تُصبح نافذة المدن مطلة على قلبك، والحضور الكامل يقتضي ثمناً باهظاً: لا أحد يربت على وحشتك. أنت الكتف لنفسك وأنت الذكرى.
أما أن تسافر ‘مع’، فهو دخول في تجربة مزدوجة… إنه سيرٌ في ظلّ مشترك. قد تكون حركتك هي نفسها، لكن معناها يتضاعف لأن أحداً يراها، يسمعها ويُدهَش بها معك. في السفر معا، تُولد اللحظات من الضحكات وتُصنع الذكريات من تفاصيل صغيرة…
ينطبق هنا ما يقوله جبران: ‘السفر يكشف لك أنك لست بحاجة إلى الكثير، فقط قلب يحتمل الغياب وعين تدهشها التفاصيل’، لكنه أيضاً يكشف ما لا يظهر في البيت. ما لا يُقال في المساء، يُقال على الرصيف…
يتقاطع هذا مع مفهوم ‘الوجود مع’ (Mitsein) في فلسفة هايدغر، وهو كُنه الكينونة ذاتها… أن تسافر مع أحد يعني أن تُختَبر في الصبر، في المرونة، في التنازل، في احتمال أن يراك أحد دون أقنعتك… لا تملك في الرفقة كل حريتك لكنك تملك شيئاً آخر: الدهشة المشتركة، أن تقول: ‘انظر هناك!’ ويكون هناك أحد ينظر. وكما يرى توماس مور: ‘الأصدقاء في السفر هم الوطن المؤقت’.”
كما يفكك الكاتب هنا تيه المسافر بين تمثيل لأمته؛ حيث عليه أن يراقب نفسه كي لا يخطئ فيُحسب خطؤه على من يمثلهم وبين أن يطلق العنان لحريته و يعيش السفر بلا قيود. ويفجر أوهام الفحولة الذكورية المتخيلة لدى العربي أمام النظرة النمطية الغربية، مسلطاً الضوء على ما لا تلتقطه عدسات التصوير من وجدانات وتوترات.
و في السفر السادس و الأخير، يستحضر معنا الرهبة الأولى لتجربة ركوب الطائرة لأول مرة؛ تلك الرهبة الممزوجة بالفرح و الخوف، و سحر السفينة و الرعب الذي انتابه رغم أنه ابن البحر.
ويبقى لليل المدن وجوه أخرى غير التي تظهر في وضح النهار، ليل لا تذكره الدلائل السياحية؛ كعتمة باريس ولياليها التي يخرج فيها البؤساء إلى الضوء، وليل أمستردام وكواليسه…
• و ينتهي سفرنا مع الكاتب عبد العزيز كوكاس بالعودة منه بوجعها؛ حيث يتحول المسافر العائد إلى غريب في وطنه، فقد عاد بهوية وقناعات جديدة، متجليا في الهدف الذهبي من السفر:
“…فمن يعود من سفر كما كان قبله، لا تصح رحلته، أما من عاد مكسوراً بشكل جميل، متواضعاً بشكل عميق، فاقداً للغرور وممتلئاً بالدهشة، فذاك الذي ذاق لذة التيه، وتربى في حضن الفوضى، وربح الحكمة: وهي أن لا شيء مضمون وأن أجمل ما في الطريق هو ما لم يكن في الحسبان.”
إن كتاب ‘ تيه المرايا وسفر الظلال ” ليس إلا تأكيدا على أن السفر رحلة لا تنتهي بمجرد العودة إلى الديار، بل إن العودة هي البداية الحقيقة لهدم الذات و إعادة بنائها.
و كعادة أسلوب الكاتب عبد العزيز كوكاس، جاء بوحه مكتوبا بلغة دافئة ووجدانية؛ لغة أنيقة وشفافة مزجت بين الوصف الذي لا يغرق في تفاصيل الأرصفة و شقق الفنادق و نوافذها…و بين التأمل الفلسفي العميق. إنه يلتقط التفاصيل التي قد لا ينتبه إليها الآخرون، كنظرة عابرة، أو تيه في شارع مجهول، أو رذاذ مطر مفاجئ، أو ابتسامة، أو مقولة شيخ حكيم، أو مذاق طبق غريب ولذيذ…ليسافر بنا عبرها إلى تأملات حول الوجود الإنساني ومصير الكائن في هذا العالم.
فكما يعود مسافر ” تيه المرايا وسفر الظلال ” إنسانا آخر، فإن القارئ لهذا الكتاب الصادر عن دار النشر الأردنية (خطوط و ظلال للنشر و التوزيع )، ينتهي من رحلة القراءة وقد أصبح هو الآخر إنسانا آخر، إنسانا قد غير نظرته للسفر ولماهيته والهدف الحقيقي منه؛ خلع قناع الجمود و هدم القوالب التي تكتم أنفاس ذات تحتاج لروح دائمة التجدد. فكل سفر لا يغير الإنسان فهو سفر لا يعول عليه.
