فرانسيس كيلسي… المرأة التي أنقذت آلاف الأطفال بكلمة “لا”

بسمة نسائية/ مونيا السعيدي

ليست كل البطولات تُصنع في ساحات الحروب، ولا كل الأبطال يضعون أوسمة على صدورهم. أحيانًا، يكفي أن تمتلك امرأة شجاعة الضمير، وأن ترفض التوقيع على ورقة، لتغيّر مصير أمة بأكملها.

هكذا كانت قصة العالمة والطبيبة الكندية الأمريكية فرانسيس أولدهام كيلسي، التي أثبتت أن النزاهة العلمية قد تكون أقوى من نفوذ الشركات، وأن كلمة “لا” قد تنقذ آلاف الأرواح.

في سبتمبر سنة 1960، التحقت كيلسي بإدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA). كانت موظفة جديدة، لكن خبرتها في علم الأدوية جعلتها تقرأ الملفات بعين الباحث لا بعين الموظف. وبين أولى القضايا التي عُرضت عليها طلبُ الترخيص لدواء جديد يحمل اسم “الثاليدومايد”، كانت شركة الأدوية المنتجة تسابق الزمن لطرحه في الأسواق الأمريكية بعدما حقق انتشارًا واسعًا في أوروبا، خصوصًا بين النساء الحوامل لعلاج غثيان الصباح.

كل شيء كان يدعو إلى الموافقة السريعة… إلا ضمير فرانسيس.

أثناء مراجعتها للملف، اكتشفت أن الدراسات المقدمة لا تقدم أدلة كافية على سلامة الدواء، خاصة بالنسبة للأجنة. لم تجد ما يطمئنها علميًا، فكان قرارها واضحًا: الرفض إلى حين استكمال الدراسات.

لم يكن ذلك القرار سهلًا. فقد تعرضت لضغوط متواصلة من الشركة المصنعة، وحاول مسؤولون نافذون التشكيك في كفاءتها، واعتبروا موقفها مجرد تعقيد بيروقراطي يعرقل أرباحًا بملايين الدولارات. لكنها بقيت متمسكة بموقفها، رافضة أن تستبدل الدليل العلمي بالمجاملة أو الخضوع.

وبعد أقل من عام، كشفت الحقيقة المروعة. فقد تبين أن “الثاليدومايد” تسبب في ولادة آلاف الأطفال بتشوهات خلقية خطيرة في أوروبا ودول أخرى، في واحدة من أكبر الكوارث الدوائية في القرن العشرين. أما الولايات المتحدة، فقد نجت من الكارثة إلى حد كبير، لأن امرأة واحدة رفضت أن توقع.

تقديرًا لهذا الموقف التاريخي، منحها الرئيس الأمريكي جون كينيدي سنة 1962 وسام جائزة الرئيس للخدمة المدنية المتميزة، لتصبح ثاني امرأة تنال هذا التكريم الرفيع.

لكن أعظم وسام نالته فرانسيس كيلسي لم يكن قطعة معدنية تعلق على الصدر، بل آلاف الأطفال الذين كبروا أصحاء، لأن طبيبة وضعت حياة الإنسان فوق المصالح التجارية.

إن قصة فرانسيس كيلسي تذكرنا بأن العلم لا يقوم على الذكاء وحده، بل على الأمانة أيضًا، وأن المرأة حين تتمسك بقيمها المهنية قادرة على تغيير مجرى التاريخ، حتى وهي تجلس خلف مكتب بسيط.

وتبقى رسالة هذه العالمة صالحة لكل زمان: لا تتردد في قول “لا” عندما يملي عليك ضميرك وعلمك أنها الكلمة الصحيحة. ففي أحيان كثيرة، تكون كلمة “لا” هي الكلمة التي تنقذ العالم.

Exit mobile version