حديث بسمة/ عزيزة حلاق
رفض الجمهور النهاية وكتبها بطريقته الخاصة
منذ مدة طويلة، لم أتابع مسلسلاً مصرياً بهذا القدر من الشغف. لكن عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قادتني مقاطع قصيرة إلى مسلسل “ورد على فل وياسمين”، لأكتشف عملاً مختلفاً أعاد إلى الواجهة سؤالاً ظل يتردد طويلاً: أي دراما يريدها المشاهد العربي اليوم؟
شدني العمل منذ حلقاته الأولى، ليس فقط بسبب الأداء اللافت لأحمد عبد الوهاب أو الحضور الآسر لصبا مبارك، بل لأن المسلسل بدا وكأنه يروي حكاية أناس يشبهوننا؛ في قالب كوميدي/ رومانسي، بشخصيات عادية بضعفها وقوتها، بأحلامها الصغيرة وخيباتها الكبيرة، دون مبالغة أو افتعال.
ولعل هذا ما يفسر النجاح الجماهيري الكبير الذي حققه العمل، إذ لم يكتف المشاهدون بمتابعته، بل دخلوا معه في نقاشات واسعة حول الحب، وفوارق العمر، ونظرة المجتمع إلى العلاقات التي تخرج عن المألوف.
لكن الجدل الحقيقي انفجر مع النهاية.
جاء رحيل إلهام صادماً لكثيرين. كان الجمهور ينتظر نهاية سعيدة، أو على الأقل انتصاراً للحب في معركته الأخيرة مع المرض والمصير. غير أن صناع العمل اختاروا طريقاً آخر، أقرب للواقعية.
وهنا انقسم المشاهدون بين من رأى أن النهاية كانت قاسية وأن الحب يستحق فرصة أخرى، وبين من اعتبر أن العمل امتلك شجاعة نادرة في تقديم نهاية تشبه الحياة، لأن الحياة ببساطة لا تمنح دائماً نهايات سعيدة.
وأجمل ما حدث بعد الحلقة الأخيرة هو أن الجمهور لم يغادر الحكاية، بل أعاد كتابتها بنفسه وعلى طريقته.
فقد امتلأت منصات التواصل بعشرات النهايات البديلة، لكن أكثرها تأثيراً كانت تلك التي تتخيل مرور خمسة عشر عاماً على رحيل إلهام. يعود طارق إلى بيت والده مع زوجته زميلته الطبيبة، وابنه الصغير، فتوقظ الجدران القديمة ذاكرة لا تموت. يرن الهاتف، فيأتيه صوت كريم ابن إلهام:
“قل لي مبروك يا طروق، أنا اتخرجت.”
فيرد طارق بصوت يختلط فيه الفرح بالحنين:
“مبروك يا دكتور.”
ولم يكن اختيار الطب تفصيلاً عابراً في تلك النهاية المتخيلة. فقد كانت إلهام تحلم أن ترى ابنها طبيباً، لأنها رأت في طارق أكثر من مجرد حبيب؛ رأت فيه الإنسان الذي أعاد إليها الإيمان بالحياة والكرامة والحب.
في تلك اللحظة، لا ينتصر الحب على الموت، بل ينتصر على الزمن.
لكن المفارقة أن كثيراً من المشاهدين لم يغضبوا من موت إلهام بقدر ما غضبوا من استمرار حياة طارق. رأى بعضهم أن زواجه لاحقاً خيانة للحب، وكأن الوفاء يعني أن يتوقف الإنسان عن الحياة بعد الفقد.
غير أن قراءة أخرى للقصة تبدأ من سؤال بسيط طرحه مشاهد: ماذا كانت حياة إلهام قبل طارق؟
امرأة أثقلها المرض، وجرحتها العلاقات السابقة، وواجهت الوحدة والخوف. جاء طارق لا كفارس أسطوري، بل كإنسان اختار أن يمنحها ما استطاع من دفء وكرامة. وقف إلى جانبها في مرضها، أجّل حلم سفره ليبقى معها، واجه أسرته دفاعاً عنها، ورد لها اعتبارها أمام أهلها وطليقها. والأهم أنه جعلها ترى نفسها بعين مختلفة: امرأة تستحق الحب مهما كانت الفوارق العمرية والاجتماعية.
وحين رحلت، رحلت وهي تعرف أنها كانت محبوبة.
لذلك، قد لا تكون النهاية قد أرضت الجميع، لكنها كانت صادقة ومنطقية وقريبة من الواقع. وربما كان هذا بالذات سر قوة العمل: أنه جعل الجمهور يختلف، ويبكي، ويغضب، ثم يكتب نهايات بديلة لأبطاله.
أما الأهم من النهاية نفسها، فهو النقاش الذي خلقه المسلسل حول نوعية الدراما التي يتفاعل معها المشاهد العربي.
لقد أثبت “ورد على فل وياسمين” أن الجمهور لا يبحث دائماً عن الضجيج أو العنف أو الشخصيات الخارقة، بل يبحث عن نفسه على الشاشة؛ عن شخصيات تشبهه وتعيش أسئلته وهواجسه اليومية، وتمنحه رغم كل شيء حق الحلم.
وحين تنجح الدراما في جعل المشاهد يرى ذاته في أبطالها، فإنها لا تكتفي بالتسلية، بل تتحول إلى مرآة للمجتمع.
وربما لهذا لم يكن “ورد على فل وياسمين” مجرد مسلسل ناجح، بل ظاهرة فنية وإنسانية أعادت التذكير بحقيقة بسيطة:
أن أعظم القصص ليست تلك التي تبدو أكبر من الحياة، بل تلك التي تشبهها.
ولعل السؤال الذي ردده كثيرون: أين الورد والفل والياسمين في القصة؟
كانت الإجابة أبسط مما نظن:
الورد والفل والياسمين… كان طارق نفسه.
