مدونة الأسرة… وتدبير الانتخابات..“داها وداها… والله ما خلاها”

بقلم: عبد الرفيع حمضي

إن المتتبع للحياة السياسية والحزبية في المغرب، قد يصعب عليه أحيانا أن يحدد إن كانت عملية الترشيح والتدبير الانتخابي تخضع فعلا لمدونة الانتخابات… أم لمدونة الأسرة. فحضور الآباء والأبناء والأزواج والأصهار والإخوة داخل عدد من المؤسسات المنتخبة، لم يعد مجرد حالات معزولة، بل تحول تدريجيا إلى ظاهرة تطرح أسئلة عميقة حول طبيعة النخب السياسية وآليات إعادة إنتاجها داخل المجال الحزبي والتمثيلي بالمغرب.

في الأعراس المغربية، تردد النساء منذ زمن أغنية شعبية تقول: “داها وداها… والله ما خلاها”، في إشارة إلى أن العريس أخذ عروسه، أو أن العروس أخذت عريسها، وسط أجواء الفرح والزغاريد والعمارية. غير أن هذه اللازمة الشعبية، التي ارتبطت طويلا بالأعراس، بدأت تجد لها امتدادا رمزيا داخل المجال السياسي نفسه. فكثير من لحظات الفوز الانتخابي، خاصة حين يتعلق الأمر بأبناء أو زوجات أو أقارب المنتخبين، أصبحت تُحتفل بها وكأن الأمر يتعلق بإدخال “العريس” إلى البرلمان، لا بإفراز تمثيلية سياسية داخل مؤسسة دستورية. وأحيانا يصعب التمييز بين موكب زفاف واحتفال انتخابي، لان المنطق نقسه .

وقد أعاد مقال نشر اخيرا تسليط الضوء على هذه الظاهرة من خلال تجميع عدد كبير من حالات القرابة العائلية داخل البرلمان . واللافت في هذا النقاش أنه لم ينصب فقط على الأشخاص أو الأسماء، بل على البنية التي تسمح باستمرار هذا النمط من إعادة إنتاج النخب داخل المجال السياسي، إلى درجة أصبح معها جزء من الرأي العام ينظر إلى بعض الأحزاب باعتبارها فضاءات مغلقة تدور داخلها السلطة التمثيلية بين نفس الدوائر العائلية والمالية والمحلية.

طبعا، من الناحية القانونية، لا شيء يمنع أفراد العائلة الواحدة من الترشح . فالدستور يضمن الحقوق السياسية على أساس فردي، ولا يمكن تقييدها بمنطق القرابة أو النسب. كما أن عددا من الديمقراطيات عرفت حضورا لعائلات سياسية نافذة. لكن النقاش الحقيقي هو ان السياسة لا تختزل فقط في الشرعية القانونية، بل تقوم أيضا على الشرعية الرمزية والأخلاقية والقبول المجتمعي.

لقد انشغل بلادنا ، خلال العقود الأخيرة، بإصلاح المنظومة الانتخابية وتعزيز ضمانات النزاهة والشفافية، سواء من خلال تطوير الإشراف القضائي، أو ضبط تمويل الحملات الانتخابية، أو تقوية آليات المراقبة، أو الحد من تدخل الإدارة في العملية الانتخابية. وكان التصور السائد لدى جزء واسع من النخب السياسية أن أصل الاختلال الديمقراطي يوجد أساسا في الإدارة وفي تأثيرها على نتائج الاقتراع، ولذلك تم توجيه أغلب جهود الإصلاح نحو تحييد السلطة الإدارية وتوسيع شروط التنافس الانتخابي.

ولا شك أن هذه الإصلاحات كانت ضرورية وأسهمت في تطوير المسار الانتخابي بالمغرب. غير أن التجربة كشفت، مع مرور الوقت، أن بناء الديمقراطية لا يرتبط فقط بسلامة المساطر، بل أيضا بطبيعة النخب التي تنتجها هذه المساطر. وهنا بالضبط بدأت تظهر مفارقة جديدة داخل الحياة السياسية المغربية: فكلما تعززت الشفافية القانونية للعملية الانتخابية، برزت بالمقابل أزمة مرتبطة بالمقبولية الاجتماعية والأخلاقية لجزء من النخب المنتخبة.

لقد نجح الإصلاح السياسي في تقليص جزء كبير من الاختلالات المرتبطة بالإدارة، لكنه لم ينتبه بالقدر الكافي إلى التحولات التي وقعت داخل البنيات الحزبية نفسها. فبينما كان التركيز موجها نحو حماية الانتخابات من التأثير الخارجي، كانت أشكال أخرى من التحكم تتشكل من الداخل، عبر شبكات النفوذ المالي والعائلي والمحلي.

عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو تحدث عن قدرة النخب على إعادة إنتاج نفسها عبر ما سماه “الرأسمال الاجتماعي والرمزي”، أي ذلك النفوذ الذي يسمح لبعض الفئات بالحفاظ على مواقعها داخل المجتمع جيلا بعد جيل. والسياسة، حين تتحول إلى مجال يعيد إنتاج نفس البنيات الاجتماعية والعائلية، تفقد تدريجيا إحدى وظائفها الأساسية باعتبارها آلية للتداول وتجديد النخب.

وهذا ما يجعل النقاش الحالي يتجاوز البعد الأخلاقي المباشر نحو سؤال أعمق يتعلق بطبيعة الوظيفة الحزبية نفسها. فالحزب السياسي، في التجارب الديمقراطية ، ليس مجرد آلة انتخابية، بل مؤسسة لإنتاج النخب وتأطير المجتمع وإعادة توزيع الفرص السياسية. أما حين يصبح منطق الاستمرارية العائلية أقوى من منطق التداول الداخلي، فإن الحزب يفقد تدريجيا وظيفته التمثيلية ويتحول إلى إطار. لإعادة إنتاج التوازنات القائمة بدل تجديدها.

ولهذا فقوة الديمقراطيات لا تقاس فقط بصلابة مؤسساتها، بل أيضا بقدرتها على إنتاج فضاء عمومي يشعر فيه الأفراد بإمكانية الولوج المتكافئ إلى المجال السياسي. لأن الديمقراطية، حين تفقد هذا الإحساس بالمشترك، تتحول تدريجيا إلى مجرد آلية إجرائية بلا مضمون اجتماعي فعلي.

ومع اقتراب استحقاقات شتنبر 2026، فالتحدي الحقيقي اليوم لا يتعلق بحماية الصندوق، بل اساسا بإعادة الاعتبار لفكرة التداول وتجديد النخب وربط المسؤولية السياسية بالكفاءة والاستحقاق، لا بمنطق الامتداد العائلي وحده.

وبين ما يقال وما لا يقال فان عطب اعادة انتاج النخب قد يكون هو أخطر ما يواجه السياسة وليس القوانين فقط.

Exit mobile version