في المغرب، “رباط” الثقافة يورِق.

بقلم: طالع السعود الأطلسي

الدورة 31 للمعرض الدولي للكتاب بالرباط، أُهْدِيَت إلى الرحالة “ابن بطوطة”، أو تيمَّنت به، في رحلة ثقافية، عمرها عشرة أيام، تعبُر فيها جليلة وعميقة أسئلة الفكر والثقافة، المتصلة بالعمران الإنساني، مغربيا وكونيا…

اللافت الأول في الدورة هو الاقبال الجماهيري الكثيف. وأراهن على أن أرقام ما بعد المعرض لعدد الزوار ستكون قياسية، غير مسبوقة… الاثنين، في المعرض، كيوم السبت والأحد، وهما العطلة الأسبوعية في المغرب، من حيث الازدحام في اقتناء تذاكر الدخول، وفي الممرات وفي الندوات والعروض وتوقيعات الإصدارات، وفي أروقة وأجنحة عرْض الكتب… لكأن تلك الجماهير ظمآئ للثقافة وتتهافت على ينابيع الضخ الثقافي، التي تفجرت، فجأة، في سنة ثقافية خصبة…

ذلك الإقبال، دليل يمشي على رجليه والفرح يُمَوْسِق اندفاعه، ومن “كل فج عميق”، على أن الثقافة مطلب حيوي للمغاربة، كان، ويستعرُّ أكثر، بما باتت تفرضه الضرورات الحياتية من شحنات معرفية وثقافية للقيام بها وتحملها… حاجة، يوَفرها التعلم وتشيعها وتصقلها الممارسة الثقافية، والتي صادفت حظا وافرا من التعميم ومن التنويع ومن التطوُّر…

“جماعات وزرافات”، كما تعلمنا في الصفوف الابتدائية لتمدرسنا، ترى التلاميذ، من كل الأعمار، مؤطرين من مؤسساتهم التعليمية أو فُرادى، يجولون في أروقة المعرض ويشاركون في أنشطة العارضين، المؤسساتيين أو الناشرين الخواص… ما حول فضاءات المعرض إلى حقل ربيعي مُزهر، بلمعان فرح اللقاء بالكِتاب وبالكُتّاب، ينِزّ من عيون أطفال وشباب، من الجنسين… فرح يشي بإرادة اقتحام المستقبل بقوة المعرفة ومناعة الثقافة… ويبرق بالاطمئنان على الصحة المعنوية للقادم من أجيال المغرب.

قبل أيام قليلة من معرض الرباط للكتاب، كان للفلاحة معرضها الدولي السنوي في مكناس… والفلاحة، هذه السنة في المغرب، منتشية بما ولّدته فيها التدفقات الاستثنائية للأمطار، من فيض خصوبة الأرض، وعلوّ مخزون المياه… فكان معرضها منصة للشدو باخضرارٍ في الحقول امتص اصفرارا، طال فيها لسنوات… وأيضا أتاح المعرض إمكانية تملك سياسي، اقتصادي، تقني وعلمي للتأسيس على مَحصول هذه السنة، للتطوير الزراعي المستدام، وهو الفاعل الهام في المسار التنموي المغربي…

من مكناس إلى الرباط، خطُّ سير مفتوح على سكة الزراعة… من الزراعة التي تُخصب الأرض إلى الزراعة التي تُفتِّح العقول… في المشترك بينهما، زرع، حرث، سقي وحصاد… وتتقابل بينهما الكلمات، بذور/حروف، زرع/تعلم، ري/تثقيف، وحصاد زراعي/ناتج معرفي يُعلي الوعي المواطني، الذي هوإ بناء الوطن المتقدم…

معرض الرباط، استقدم التاريخ، عبر ابن بطوطة، رمز التفتح على العالم، وعنوان الإقدام على المعرفة، لتلمُّس الجغرافيا واختراق مجاهيلها… لمشاهدتها وإعمال النظر فيها… والرحلة في أصلها قراءة على طول خط سيرها، من نقطة انطلاقها إلى محطة وصولها… وأوجزها شعار معرض الرباط في “السفر كتاب والكتاب سفر”…

وابن بطوطة من علامات النبوغ المغربي، الذي أشرئب عقله حتى “الصين طلبا للعلم”… العلم بتاريخ الجغرافيا والاعلام بالوجود المميز للمغرب فيها…

الوجود في هذا العالم، من زاوية معناه واستقراء مداه، كان السؤال الذي طرحته إحدى ندوات المعرض… لأن سؤال الوجود المغربي في العالم أو حضور العالم في المغرب، من صنف الأسئلة العنقودية، وهي لا تتفجر سعيا للدمار، بل منها تتولد الأفكار الحمّالة لتلك الأسئلة التي تعبُر كل حياة المغربي، لليوم وللغد، بدءا من غذائه، صحته، تعلمه، عمرانه، زراعته، تغذيته، أسرته، اقتصاده، عمله، أمنه، هجرته، والممارسة السياسية به وعليه وموقعه في العالم وفي مستقبل العالم…

تلك الأسئلة وجدت لها، في المعرض، ندوات طرحتها، من منطلق نظري، أو تجريبي، أو إبداعي، وطني أو كوني… ندوات موضوعاتية متعددة الأصوات أو متوسلة بكتب حضر مؤلفوها لإضاءة محتوياتها أو لتلمس وقعها لدى القراء…

أجواء النقاشات، كما عاينتها في عدة جلسات، ساد فيها الاحترام المتبادل بين المشاركين… في مقارعات فكرية هادئة حول قضايا ساخنة وإشكالات معقدة… جلسات، أمنت لنفسها حرية القول، وجرأة التعبير عن الرأي، وهي متحررة من أية ضغوط وموانع، لا سياسية ولا فكرية ولا اجتماعية… الشعور بالمشاركة الجماعية احتفاء بالثقافة، لعله كان مؤثرا في تلك الأجواء. وتحوّل المعرض، بذلك إلى نافذة مشرعة تطل على التفاعلات والتدافعات الثقافية المُعاشة في المغرب…

كل أسئلة الثقافة الملحة أو المقلقة في العالم وجدت لها مَعبرا إلى معرض الكتاب بالرباط… في المعرض، تمثلت فرنسا الثقافية، وبحضور كثيف ونشيط، ضيفَ شرف، وهي المميزة بكل ما حفرته لها من موقع فاعل عالميا… حضرت المعرضَ من منطلق صداقة، مغربية فرنسية، شاملة، لها تاريخ طويل وذاهبة إلى مستقبل أطول وأفعل في الترابُح المشترك.

نخبة المغرب متفاعلة مع العالم، وشاهدها ابن بطوطة، بل ولها في الفكر عالميا بصمات وإسهامات، وشاهدها ابن رشد… وما كان للمعرض أن يغفل عن ذلك… هذا فضلا على أن الكونية من خاصيات الثقافة ومن ضروراتها… والمنظمون حرسوا، في مقدمة برنامج المعرض، على أن ينيروا مفهوم الكونية المقصودة من الاحتفاء بها مغربيا، هي تلك التي قال عنها جلالة الملك محمد السادس في أحد خطاباته منذ 2003: “الكونية بمفهومها الإيجابي لا يمكن أن تتحقق إلا عبر الإقرار بالاختلاف المتمثل في الخصوصيات الثقافية التي تقوم عليها”… وهذا المفهوم هو الفاصل بين التثاقف الإيجابي ما بين الجَبر الثقافي الاستعلائي.

عشرة أيام من الاحتفاء الوطني بالثقافة… احتفاء عارم بحماس الفاعلين وانخراط شبابي مندفع للمعرفة، صَدَّقت على أن الرباط فعلا “مدينة الأنوار”، وعلى أن المغرب يعزف على المسار التنموي “بعشرة أصابع” وملايين الإرادات… لكي يتكرس انتصاره في قضيته الوطنية، ويتطور في مساره التنموي، ضدا على الانحرافات، الكبوات وأخطاء التقديرات، ليُعلي فعالية كل حاضنات تخَلُّق المواطن الكريم في عيشه، السليم في بدنه والصّاحي في وَعيِه…

Exit mobile version