بقلم: عبد الرفيع حمضي
“حيث يسكن الظلم، يضيق العيش ولو اتسع المكان”.
بهذه الحكمة الفارسية لحافظ الشيرازي، يمكن محاولة فهم ما يجري اليوم في ايران، ليس بوصفه احتجاجا ظرفيا، بل باعتباره لحظة يتقاطع فيها الغضب الاجتماعي مع مؤشرات الانهيار البنيوي.
في التجربة الايرانية، يقاس الغضب بتوقيته ومكان ظهوره. وحين يصل الى العلن، يكون غالبا قد استنفد مسارات الاحتواء الايديولوجي والسياسي. لذلك، فان خطورته تكمن في خرقه لأنماط الاحتجاج المألوفة تاريخيا.
فالمعروف أن الاحتجاجات في إيران كانت، في الغالب، تبدأ من مدن الهامش، ومن المناطق المتضررة اقتصاديا، ثم تنتقل لاحقا الى العاصمة. الجديد هذه المرة ان طهران نفسها اصبحت مركزا للاحتجاج، لا مجرد محطة انتقال. وحين تهتز العاصمة، فذلك يعني أن الازمة لم تعد محصورة اجتماعيا، بل وصلت إلى قلب النظام الحضري والسياسي.
لكن التحول الاعمق يتعلق بالمكان الاجتماعي الذي انطلقت منه الشرارة. فهذه المرة، لم يكن الفقراء أو العاطلون وحدهم في الواجهة، بل البازار. والبازار، في الحالة الايرانية، ليس مجرد سوق، بل بنية اقتصادية اجتماعية ضاربة في التاريخ، لطالما شكلت أحد أعمدة الاستقرار والتوازن بين الدولة والمجتمع.
حين يحتج البازار، فذلك لا يعني ارتفاع الاسعار فقط، بل يعني ان منظومة الثقة نفسها قد تصدعت. فالبازار، بطبيعته، لا يتحرك سريعا، ولا يغامر دون حساب. خروجه عن الصمت يقرأ دائما كإشارة إلى أن الاقتصاد الاجتماعي لم يعد قادرا على التنفس داخل منظومة مغلقة.
هذا المعطى يزداد خطورة إذا وضع في سياقه الحقيقي: واقع اقتصاد وطني تسيطر عليه، بشكل مباشر أو غير مباشر، مؤسسات امنية عسكرية، في مقدمتها الحرس الثوري الايراني، الذي يقدر أنه يتحكم في نحو 35 في المئة من الاقتصاد الوطني.
نحن هنا أمام اقتصاد مواز، لا يخضع لمنطق السوق ولا للمساءلة السياسية، ما يجعل أي حكومة مدنية عاجزة عن معالجة جوهر الازمة.
ومن هنا تتضح مفارقة اساسية: السلطة التنفيذية التي تتحدث عن التهدئة ليست هي من يدير مفاصل القرار الفعلي. فالاقتصاد، والامن، والسياسة الخارجية، كلها تدار من خارج الحكومة، داخل بنية لا تنتج شرعية اجتماعية، ولا تملك أدوات اقناع، بل تعتمد أساسا على الردع.
بعد البازار، التحقت الجامعة، ثم الشارع. لكن اللافت في هذه الموجة ليس فقط اتساعها، بل تحول خطابها. فلأول مرة، ترفع شعارات صريحة تطالب بوقف تمويل الحروب بالوكالة في اليمن ولبنان وسوريا. وهذا ليس تفصيلا. فالسياسة الخارجية، التي كانت تقدم طويلا كعنوان للهيبة الاقليمية، أصبحت اليوم موضوع مساءلة اجتماعية مباشرة.
هذا التحول يعكس وعيا جديدا: الداخل يختنق، بينما الموارد تستنزف خارج الحدود. فالاحتجاج هنا لا يستهدف الايديولوجيا، بل الكلفة الاجتماعية للخيارات الجيوسياسية.
في هذا السياق، لا يمكن تجاهل العامل النفسي الامني. فالحرس الثوري، الذي شكل لعقود العمود الفقري لمنظومة الخوف، لم يعد ينظر اليه بالهيبة نفسها. ليس لان قدرته القمعية اختفت، بل لان صور تصفية عدد من قياداته بسهولة ودقة من طرف اسرائيل كسرت، في الوعي العام، صورة القوة المطلقة التي لا تمس. والخوف، حين يصاب بالشرخ، لا ينهار فورا، لكنه يفقد وظيفته السياسية.
من هنا، فإن اختزال ما يجري في كونه صناعة خارجية ليس سوى وهم تحليلي مريح. الخارج لا يصنع هذا الاحتجاج، بل يراقبه، ويدعمه ويروج له. لكن ما يحركه فعليا هو ظلم داخلي متراكم، وحيف اجتماعي، وانسداد افق سياسي، مقرون بذكاء واضح في قراءة اللحظة الدولية من طرف المحتجين.
فالولايات المتحدة الامريكية لا تستطيع قيادة الشارع الايراني،
فهي تكتفي بالضغط، والتهديد والدعم حتى وانتظار لحظة التفكك من الداخل، لاستثمار سقوطه إن وقع.
فهل نحن امام انهيار وشيك؟ ليس بالضرورة. لكن المؤكد أننا أمام مرحلة جديدة لم تعد فيها أدوات الامس صالحة. فحين تلتقي العاصمة، والبازار، والجامعة، والشارع، وتكسر قداسة الاقتصاد الامني، ويرفع الخوف من الحرس الثوري، وتمس السياسة الخارجية في رمزيتها، يصبح السؤال الحقيقي ليس متى تهدأ الاحتجاجات، بل هل يمكن لنظام كهذا أن يستعيد معنى الحكم؟.
