مراكش/ عزيزة حلاق
صور: زليخة
في ليلة استثنائية خُتمت بها فعاليات الدورة الثانية والعشرين للمهرجان الدولي للفيلم بمراكش، اهتزّ قصر المؤتمرات على وقع التشويق والتصفيق، معلنًا تتويج فيلم “سماء بلا أرض” للمخرجة التونسية أريج السحيري بالنجمة الذهبية، أرفع جوائز المهرجان.
لحظة مُفعمة بالحماس والمشاعر، تختزل تسعة أيام من السينما، الحوار، والدهشة.
وسط حضور واسع من عشاق السينما وصنّاعها، كشفت لجنة التحكيم عن باقة من الأعمال التي طبعت الدورة بجرأتها ورؤاها الإنسانية. وقد وصفت اللجنة فيلم “سماء بلا أرض” بأنه عمل يتحدّى المألوف، ويقدّم نظرة شاعرية عميقة إلى العالم، تُعيد ترتيب علاقتنا بالآخر وبالذات. إنه فيلم لا يكتفي بالسرد، بل يجرؤ على مساءلة الوجود.
وفي واحدة من اللحظات اللافتة، قررت لجنة التحكيم منح جائزتها الخاصة مناصفة بين فيلم “بابا والقذافي” للمخرجة جيهان ك، وفيلم “ذاكرة” لفلادينا ساندو؛ عملان ينسجان بمهارة بين الذاكرة الفردية واللحظات المفصلية في تاريخ بلديهما، حيث يتحول الحميمي إلى شهادة فنية ذات بعد إنساني وسياسي عميق.
أما جائزة أفضل إخراج، فذهبت إلى أوسكار هدسون عن فيلمه “دائرة مستقيمة”، الذي ترك أثرًا قويًا لدى الجمهور والنقّاد بفضل بنائه البصري الصارم، وحساسيته الفنية المتفرّدة. كما حيّت لجنة التحكيم الأداء اللامع للتوأمين إليوت ولوك تيتنسور اللذين وقّعا حضورًا تمثيليًا نادر الحيويّة.
وعلى مستوى التمثيل، توِّجت ديبورا لوبي ناني بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم “سماء بلا أرض”، فيما حصل سوبي ديريسو على جائزة أفضل ممثل عن أدائه المؤثر في فيلم “ظل أبي” لأكينولا ديفيز جونيور.
هذه الاختيارات تعكس مستوى استثنائيًا لمسابقة رسمية انحازت هذا العام إلى السينما الشبابية الجريئة، السينما التي تقترح، تصدم، تطرح الأسئلة، وتحرّك المشاعر بعمق ومسؤولية.
وقد جاءت قرارات لجنة التحكيم، التي ترأسها المخرج الكوري الجنوبي الكبير بونغ جون هو, ثمرة رؤية جماعية غنية، شارك فيها أسماء من مشارب وتجارب سينمائية مختلفة:
كريم عينوز، حكيم بلعباس، جوليا دوكورناو، بيمان معادي، جينا أورتيغا، سيلين سونغ، وأنيا تايلور-جوي.
لجنة جمعت بين الحرفية العالية، الحساسية الفنية، والانفتاح على تنوع التعبيرات السينمائية في العالم.
ولعل ما ميّز هذه الدورة بشكل لافت، هو الحضور القوي للرؤية السينمائية النسائية، سواء على مستوى الأفلام المتوجة أو المخرجات المشاركات في المسابقة. فقد برزت أعمال حملت توقيع نساء يشتغلن على القضايا الإنسانية بجرأة وتجريب، ويقدمن حساسية خاصة في مقاربة الذاكرة، والجسد، والعلاقات، والتفاصيل الدقيقة التي تعيد تشكيل العالم من زوايا جديدة. هذا الحضور لم يكن شكليًا، بل تأكيدًا على مسار صاعد لصوت نسائي يفرض ذاته في الساحة السينمائية العالمية.
الدورة فتحت المسابقة الرسمية أمام مخرجين شباب يقدّمون أعمالهم الأولى أو الثانية، في خطوة تؤكد رهان المهرجان على اكتشاف الأصوات الجديدة ومنحها فرصة فعلية للظهور في واجهة السينما العالمية. وقد أثبتت هذه الاختيارات أن الرهان كان في محله؛ إذ كشفت الأفلام المتنافسة عن طاقة سينمائية واعدة، ورؤى جريئة تحمل ملامح جيل جديد يصنع لغته الخاصة، ويعيد ابتكار طرق الحكي وتوسيع حدود الفن السابع.
هكذا، تغادر هذه الدورة جمهورها بشعور كامل بأن المستقبل السينمائي في أيدٍ خَلّاقة، وأن مراكش تواصل دورها في دعم المواهب وتشجيع مغامرة السينما أينما كانت
