بسمة نسائية/ عزيزة حلاق
صور: محمد بلميلود
بوعياش: الولاية التشريعية الحالية فرصة تاريخية للانتقال من الوقف العملي إلى الإلغاء القانوني لعقوبة الإعدام
ثلاثة عقود مرت منذ انطلاق المسار الحقوقي الرامي إلى إلغاء عقوبة الإعدام في المغرب، وهو مسار عرف تحولات وتطورات ومكتسبات مهمة، سواء على مستوى اتساع النقاش العمومي حول هذه العقوبة، أو تنامي قاعدة المساندين لإلغائها، أو تكريس حماية الحق في الحياة دستوريًا، فضلًا عن استمرار الوقف الفعلي لتنفيذ أحكام الإعدام. وقد أتاح هذا التراكم فتح نقاش أعمق حول فلسفة العقاب بصفة عامة، وعقوبة الإعدام بصفة خاصة، ولا سيما بشأن مدى جدواها في الردع عن ارتكاب الجرائم.
وتقتضي المرحلة الراهنة الانتقال من مجرد النقاش حول عقوبة الإعدام إلى مساءلة أعمق لطبيعة العدالة المنشودة، وللغايات التي ينبغي أن تقوم عليها السياسة الجنائية في مجتمع يجعل حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية مرتكزًا لدولته ومؤسساته. فالنقاش حول هذه العقوبة يرتبط بحدود سلطة الدولة في العقاب، وبمعنى العدالة، وبالعلاقة بين حماية المجتمع وحماية الإنسان، فضلًا عن قدرة المنظومة الجنائية على الاضطلاع بأدوار الوقاية والإصلاح وإعادة الإدماج.
كما يطرح هذا النقاش تساؤلات أوسع بشأن سبل بناء عدالة جنائية تحمي المجتمع، وتنصف الضحايا، وتضمن المحاكمة العادلة، وتواجه الجريمة، مع الحفاظ على إمكانية الإصلاح والتغيير.
وأعربت آمنة بوعياش عن أملها في أن تترجم الولاية التشريعية الحالية مكتسبات مسار إلغاء عقوبة الإعدام، وأن تجعل منها فرصة تاريخية للانتقال من الوقف العملي إلى الإلغاء القانوني، بما يقتضي القطع النهائي مع التردد التشريعي المستمر منذ المصادقة على دستور المملكة.
ووجهت رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان نداءً إلى الحكومة والبرلمان، أكدت فيه أن اللحظة التشريعية والسياسية الراهنة تضعهما أمام مسؤولية تاريخية وأخلاقية استثنائية لاستكمال مسار المكتسبات، والانتقال من عدم تنفيذ أحكام الإعدام إلى الإلغاء القانوني الصريح للعقوبة.
ويتطلب ذلك، بحسب بوعياش، سن مقتضيات تشريعية شجاعة تلغي عقوبة الإعدام من المنظومة الجنائية الوطنية دون استثناء، تكريسًا للفصل العشرين من الدستور، والإسراع بالمصادقة على البروتوكول الاختياري الثاني الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، بما يؤكد التزام المغرب بضمانات الحق في الحياة، «بما لا يدع مجالًا للشك». وشددت على أن العدالة التي ينشدها المجلس هي العدالة التي تحمي الحياة وتصون الكرامة وتمنع تكرار المآسي.
بهذه الرسائل افتتحت آمنة بوعياش، رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، الندوة الصحفية الترافعية التي احتضنها مقر المجلس بالرباط صباح يومه الثلاثاء 20 أكتوبر 2026، بمناسبة اليوم العالمي لمناهضة عقوبة الإعدام، تحت شعار: «عقوبة الإعدام حين يُختبر المجتمع في إنسانيته».
بوعياش قالت إن اختيار هذا الشعار يستند إلى اعتبار النقاش حول عقوبة الإعدام اختبارًا لإنسانية المجتمع ذاته، ولنظرته إلى الكرامة الإنسانية وحدود سلطة العقاب، عندما يتعلق الأمر بحق لا يمكن استعادته بعد فقدانه.
وأكدت أن أنسنة النقاش لا تعني نسيان الجريمة أو التخفيف من وطأتها، ولا المساواة بين الضحية والجاني، وإنما تعني رفض جعل سلب الحياة إحدى آليات العدالة، والعمل على حماية المجتمع دون التخلي عن الإنسان.
مداخلات حقوقية ومدنية من أجل إلغاء العقوبة
بعد كلمة آمنة بوعياش، توالت المداخلات التي عكست تعدد الأصوات المدنية والحقوقية المنخرطة في النضال من أجل إلغاء عقوبة الإعدام، والتقت عند التأكيد على الحق في الحياة باعتباره حقًا إنسانيًا أصيلًا.
وفي هذا السياق، ألقى الأستاذ عبد الرحيم الجامعي، منسق الائتلاف المغربي ضد عقوبة الإعدام، كلمة قوية دعا فيها إلى الحسم النهائي في هذا الملف. وندد بالقانون الذي أقرته إسرائيل بشأن تنفيذ عقوبة الإعدام شنقًا في حق المعتقلين الفلسطينيين، مستحضرًا ما يثيره هذا التوجه من مخاوف حقوقية.
وفي المقابل، أشاد الجامعي بإلغاء لبنان عقوبة الإعدام، معتبرًا هذه الخطوة تقدمًا في مسار تكريس الحق في الحياة وتعزيز حماية الكرامة الإنسانية.
كما وجه نداءً إلى الحكومة والبرلمان المغربيين من أجل اتخاذ موقف واضح وصريح، دون تردد، والانضمام إلى الدول التي اختارت إلغاء هذه العقوبة انتصارًا للحق في الحياة، وذلك في أفق المؤتمر الدولي المرتقب انعقاده بمراكش سنة 2030.
وشهدت الندوة مشاركة شركاء دوليين، من بينهم ممثلون عن منظمة «معًا ضد عقوبة الإعدام» (ECPM)، إلى جانب السيد رافائيل شينو هازان وسفير الاتحاد الأوروبي، في تأكيد على البعد الدولي للقضية وأهمية تضافر الجهود من أجل إلغاء عقوبة الإعدام.
وانتهت المداخلات الرسمية، بكلمة الأستاذ عبد الله مسداد رئيس المرصد المغربي للسجون.
وعلى مستوى مكونات المجتمع المدني، توالت كلمات التنسيقيات المهنية والحقوقية؛ إذ تحدثت الأستاذة مليكة غبار باسم تنسيقية الأساتذة، فيما تلت الأستاذة نعيمة كلاع كلمة تنسيقية المحامين. كما شاركت المناضلة السياسية والحقوقية نزهة الصقلي بمداخلة في الموضوع، إلى جانب ممثلي تنسيقيتي الصحفيين والشباب، الذين تناولوا القضية من زوايا مختلفة، بما يعكس اتساع دائرة التعبئة المدنية وتنوع الفاعلين المدافعين عن الحق في الحياة.
إعلان الرباط: دعوة إلى الحسم التشريعي
في ختام الندوة، التي ينظمها المجلس الوطني لحقوق الإنسان سنويًا بمناسبة اليوم العالمي لمناهضة عقوبة الإعدام، تمت تلاوة «إعلان الرباط حول إلغاء عقوبة الإعدام».
وفي لفتة رمزية عميقة، تختزل دلالات الاعتراف بدور الشباب في معركة الدفاع عن حقوق الإنسان، اختارت آمنة بوعياش أن تمنح شرف تلاوة الإعلان لشابة من تنسيقية الشباب المناهض لعقوبة الإعدام، بدلًا من أن تتولى هي تلاوته.
لم يكن الاختيار مجرد التفاتة بروتوكولية، بل حمل رسالة مفادها أن الدفاع عن الحق في الحياة ليس مسؤولية جيل بعينه، بل قضية تتوارثها الأجيال، وتنتصر لها الأصوات المؤمنة بالكرامة الإنسانية. وقد أدت الشابة المهمة بثقة واقتدار، في مشهد أضفى على الإعلان بُعدًا إنسانيًا ورمزيًا مضاعفًا.
وفي ما يلي النص الكامل لإعلان الرباط:
إعلان الرباط حول إلغاء عقوبة الإعدام
انطلاقًا من قناعتنا الراسخة والمشتركة بضرورة اتخاذ خطوة تشريعية حاسمة وشجاعة تلغي عقوبة الإعدام وتكرس الحق في الحياة، في سياق تعزيز التراكم الحقوقي والمؤسساتي المغربي؛
نحن المشاركات والمشاركون في الندوة الصحفية الترافعية السنوية المنعقدة بمقر المجلس الوطني لحقوق الإنسان بالرباط، يوم الثلاثاء 20 أكتوبر 2026؛
إذ نستحضر تكريس الدستور المغربي، في فصله العشرين، الحق في الحياة باعتباره «أول الحقوق لكل إنسان»، والتنصيص على أن القانون يحمي هذا الحق، ومنعه، في فصله الثاني والعشرين، المساس بالسلامة الجسدية أو المعنوية لأي شخص، تحت أي ظرف ومن قبل أي جهة كانت؛
وإذ نستحضر توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة الواردة في تقريرها الختامي لسنة 2006، ولا سيما تلك المتعلقة بالانضمام إلى البروتوكول الاختياري الثاني الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وإصلاح منظومة العدالة الجنائية، وهي التوصيات التي شكلت أحد الأسس المرجعية للترافع من أجل إلغاء عقوبة الإعدام؛
وإذ نأخذ بعين الاعتبار الوقف الفعلي لتنفيذ عقوبة الإعدام في المغرب منذ سنة 1993، والذي شكل ممارسة مستقرة على مدى أكثر من ثلاثة عقود، برهنت إمكانية حماية المجتمع وتحقيق العدالة دون اللجوء إلى تنفيذ هذه العقوبة، إلى جانب العفو الملكي السامي الذي شمل العشرات من المحكوم عليهم بالإعدام، وحوّل أحكامهم إلى عقوبات سالبة للحرية؛
وإذ نعتبر أن مراجعة المنظومة الجنائية تشكل فرصة لإعادة النظر في فلسفة العقاب، وجعل الحق في الحياة ركيزة أساسية للسياسة الجنائية، بما ينسجم مع التزامات المغرب الدولية، ولا سيما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية؛
وإذ نسجل التصويت الإيجابي للمملكة على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن وقف استخدام عقوبة الإعدام، وما يعكسه هذا التصويت من انخراط في المسار الدولي الرامي إلى إلغاء هذه العقوبة؛
وإذ نعتبر أن الشروط الموضوعية لإلغاء عقوبة الإعدام قد نضجت في المغرب، سواء على المستوى الدستوري أو الحقوقي، وأن الوقت قد حان لترجمة المكتسبات إلى تحول تشريعي واضح يلغي عقوبة الإعدام من جميع الجرائم دون استثناء؛
نعلن ما يلي:
أولًا: ندعو الحكومة الجديدة إلى إدراج إلغاء عقوبة الإعدام ضمن أولويات الإصلاحات التشريعية، والعمل على إلغائها من القانون الجنائي، بما ينسجم مع الفصل العشرين من الدستور ومع التزامات المغرب الدولية.
ثانيًا: ندعو البرلمان إلى القطع مع التردد التشريعي، تكريسًا للفصل العشرين من الدستور.
ثالثًا: ندعو الحكومة إلى المصادقة على البروتوكول الاختياري الثاني الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، بهدف تأكيد التزام المغرب النهائي بضمانات الحق في الحياة.
رابعًا: نؤكد أن إلغاء عقوبة الإعدام لا يعني التساهل مع الجريمة، ولا إنكار معاناة الضحايا وأسرهم، بل يمثل خطوة نحو عدالة أكثر إنسانية، قادرة على حماية المجتمع وإنصاف الضحايا وفتح آفاق الإصلاح والتأهيل، دون أن تجعل من سلب الحياة أداة من أدواتها.
خامسًا: ندعو الجميع إلى المساهمة في النهوض بالنقاش المجتمعي حول الحق في الحياة، بعيدًا عن الانفعالات الظرفية التي قد تعقب الجرائم المعاقب عليها بالإعدام، وفي احترام للقيم الدستورية والكرامة الإنسانية.
