بقلم: عبد الرفيع حمضي
لتشكيل الحكومات موسم معلن وموسم خفي. في الأول، تتفاوض الأحزاب على الحقائب، وتتسابق الصحف إلى الأسماء، ويشرح المحللون ما يعرفون وما يتوقعون. وفي الثاني، يتبادل موظفو الوزارات المكالمات بصوت منخفض: «واش بصح غادي يجي عندنا فلان؟».
السؤال واحد، لكن وراءه مصائر مهنية وأعصاب مشدودة. فبينما ينتظر الوزير حقيبته، ينتظر الموظف من سيحملها إليه.
عرفت شيئًا من هذا قبل نحو عقدين، حين كنت أشتغل بقطاع الجالية في وزارة الخارجية.
قبيل تعيين حكومة عباس الفاسي، راج بقوة اسم شخصية لتولي مسؤولية القطاع. وفي صباح مبكر، جاءني زميل ملحق من وزارة أخرى، يحمل طلب إنهاء إلحاقه، ويلح على بدء الإجراءات قبل وصول الوزير المحتمل.
تصورت أن الأمر يتعلق بخلاف شخصي قديم. لكنه قال بتوتر واضح: “أعرفه جيدًا. غباؤه وعجرفته لا حدود لهما. لا يرد التحية، ولا تخرج من فمه كلمة شكر. إنه مصنع للطاقة السلبية”.
كان الرجل يتحدث بجدية شخص يبحث عن مخرج للنجاة. وعدته بالقيام بالمتعين، لكن في اليوم نفسه، نزل لطف الله وعُيّن وزير آخر. استمر زميلي في منصبه، وغادرت أنا إلى وجهة أخرى.
تعود إليّ هذه الحكاية مع كل مخاض حكومي. فبعيدًا عن الحديث عن التوجهات الجديدة والأولويات والبرامج، ينشغل كثير من الموظفين بسؤال أقرب إلى حياتهم اليومية: من سيأتي؟ وكيف ستمر سنوات العمل معه؟ فبعض الأسماء يكفي تداولها ليصبح أقصى الطموح أن تمر الولاية بسلام، وألا يتحول الذهاب إلى العمل إلى تمرين يومي على التحمل.
ولهذا، تجدهم يسألون عن الشخص: طبعه، وسيرته مع مساعديه، وكيف يتحدث إلى من هم دونه في السلم الإداري. وقد يسألون حتى عمن يعرف أسرته، بحثًا عن معلومة لا تقدمها سيرته الرسمية. فالسيرة تخبرهم أين درس وأين عمل، لكنهم يريدون معرفة ماذا تعلّم عن معاملة الناس.
ليس الأمر تفصيلًا صغيرًا. فقد يعرف الوزير الاقتصاد ولا يعرف كيف يشكر، ويفهم القانون ويجهل حدود الإهانة، ويحفظ أسماء المؤسسات المالية الدولية وغيرها، وينسى أن الواقفين أمامه لهم أسماء أيضًا.
وقد عبّر الصديق نجيب كومينة عن هذا الوضع بقوله:
“عندما تصبح للأغبياء سلطة فلا تتوقع أو تنتظر أن يتصرفوا فيها بذكاء لا يملكونه، ولا يستطيعون تعلمه، أو تطويره أو شراءه، ولا تحتمل أن يزهر الذكاء أو يجد له موطئ قدم حتى تحت سلطتهم. الاغبياء يحتاجون إلى أشباه فقط لا غير،……لا يتاونون في استعمال سلطتهم بشطط مفرط”.
خطورة هذا الصنف أنه يستطيع أن يحوّل نزوة إلى تعليمات، وانطباعًا إلى تقييم، ونفورًا شخصيًا إلى إقصاء مهني. ثم تجد الإدارة نفسها مطالبة بإعطاء كل ذلك صيغة قانونية، ورقم ترتيب، وخاتم مناسب.
هنا تُستهلك الكفاءات، ويصبح عليها توقّع مزاج الوزير، وشرح غضبه للآخرين، وتأجيل الملفات إلى أن تتحسن أحواله. ويصبح السؤال قبل دخول الاجتماع: “كيف داير اليوم؟”. وكأن الوزارة تنتظر نشرة جوية داخلية قبل الشروع في تنفيذ برنامجها.
والمفارقة أن كل هذا الوقت المصروف في توقّع مزاج الوزير وامتصاص غضبه تقتطعه الإدارة من رصيد كفاءات تحتاج إليها. فالإدارة المغربية اليوم غنية بأطر عالية التأهيل، ولم نعد في إدارة السبعينيات والثمانينيات. لدينا مسؤولون شباب يتقنون تدبير الملفات المعقدة. ومن غير المعقول أن نستثمر في عقولهم، ثم نكلفهم بحراسة مزاج شخص واحد.
لهذا، معالي رئيسة الحكومة، وأنت تختارين وزراءك، فكّري أيضًا في الذين سيشتغلون تحت إمرتهم. فالتوازن الحزبي لا يكفي لضمان التوازن في المعاملة، والقدرة على الظفر بالمنصب لا تثبت القدرة على قيادة وزارة.
فالمشاورات، إلى جانب حساب المقاعد والحقائب، تحتاج إلى حساب ما سيضيفه كل وزير إلى القطاع الذي سيتولاه. فهناك من يأتي بفكرة، ومن يأتي بفريق، ومن يأتي فقط بعُقده وبإحساس أنه وصل أخيرًا إلى المكان الذي يتيح له أن يتعب الآخرين.
وبالتالي، فإن للموظفين أيضًا نصيبًا من عنايتك، فأنت، بقوة القانون، رئيسة الإدارة المغربية وكل موظفيها. هؤلاء لا يطمعون في دخول الحكومة، لكنهم سيقضون معها خمس سنوات من أعمارهم.
وبين ما يقال وما لا يقال، لسان حال الموظفين هذه الأيام هو:
“اللهم ارزقنا وزيرًا نشتغل معه… ولا نشتغل عليه”.
