لماذا اختارت نوبل الكاتبة الكندية آن كارسون؟
بقلم: عبده حقي
لم يكن فوز الكاتبة الكندية آن كارسون بجائزة نوبل للآداب حدثًا منفصلًا عن مسار طويل من التجريب والبحث في اللغة والأسطورة والذاكرة، بل بدا أشبه بتتويج مشروع أدبي ظل لعقود يتحرك في المنطقة الحرة بين الشعر والسرد والمسرح والترجمة والدراسة الكلاسيكية. وإذا كان اسمها قد ورد خلال السنوات الماضية ضمن الأسماء المرشحة باستمرار لنيل الجائزة، فإن اختيارها يفتح بابًا أوسع لفهم التحولات التي طرأت على مفهوم الأدب نفسه، وعلى المعايير التي باتت الأكاديمية السويدية تنظر من خلالها إلى الإبداع العالمي.
آن كارسون ليست روائية بالمعنى التقليدي، ولا شاعرة يمكن حصر تجربتها داخل القصيدة، كما أنها لا تقيم حدودًا واضحة بين الكتابة الأكاديمية والأدب. لقد بنت مشروعها على كسر التصنيفات الجاهزة، وجعلت النص مساحة تلتقي فيها الفلسفة بالأسطورة، والترجمة بالسيرة الذاتية، والمسرح بالشعر، والبحث الجامعي بالتجريب الفني. ولهذا يبدو اختيارها منسجمًا مع ميل نوبل، خلال العقود الأخيرة، إلى الاحتفاء بالكتّاب الذين لا يكتفون بإنتاج أعمال جيدة، بل يقترحون أشكالًا جديدة للكتابة ويعيدون التفكير في ماهية الأدب.
العنصر الأكثر حضورًا في تجربة كارسون هو علاقتها العميقة بالتراث اليوناني القديم. فهي متخصصة في الدراسات الكلاسيكية، غير أن معرفتها باليونان القديمة لم تتحول إلى عبء أكاديمي على نصوصها، وإنما أصبحت مادة حية لإعادة تخيل أسئلة الحاضر. الأسطورة عندها ليست حكاية انتهى زمنها، بل بنية رمزية قابلة لإعادة الكتابة باستمرار. شخصيات الإغريق تعود إلى نصوصها لتتحدث عن الحب والوحدة والجسد والرغبة والفقد والهوية، وهي أسئلة لا تنتمي إلى زمن محدد.
في عملها الشهير «السيرة الذاتية للأحمر»، استعادت إحدى الشخصيات المرتبطة بالميثولوجيا اليونانية وصاغت منها رواية شعرية حديثة لا تشبه الرواية ولا القصيدة وحدهما. وفي «نورما جين بيكر الطروادية» وضعت صورة هيلين طروادة في مواجهة مارلين مونرو، فالتقت أسطورة الجمال القديمة بأيقونة الجمال والشهرة في القرن العشرين. من هذا التقاطع تطرح كارسون سؤالًا شديد المعاصرة: ماذا تفعل المجتمعات بصورة المرأة؟ وكيف تتحول الأنوثة والجمال والشهرة إلى صناعة للأسطورة ثم إلى عبء على الإنسان الذي يحملها؟
هذا النوع من الكتابة يفسر جانبًا أساسيًا من جاذبية مشروعها. فكارسون لا تستعيد الماضي بدافع الحنين، وإنما تدخله في حوار مع الحاضر. القديم عندها لا ينام في المتاحف، بل يعود إلى الحياة كلما وجد سؤالًا حديثًا يستطيع أن يسكنه.
اللغة بدورها تحتل مركزًا خاصًا في أعمالها. فالكاتبة التي ترجمت سافو واشتغلت على نصوص سوفوكليس ويوربيديس لا ترى الترجمة مجرد عملية لنقل المعنى من لغة إلى أخرى. الترجمة عندها فعل إبداعي وإعادة ولادة للنص. ولهذا يصعب أحيانًا الفصل بين كارسون المترجمة وكارسون الشاعرة، لأن كل واحدة منهما تتدخل في عمل الأخرى.
إنها تكتب وكأن اللغة نفسها مادة قابلة للتشريح وإعادة التركيب، وكأن الكلمة لا تنقل المعنى فحسب، بل تصنعه. وهذا الحس اللغوي هو ما جعل بعض أعمالها أقرب إلى مختبر أدبي تُختبر داخله الحدود بين الأجناس والتقاليد الأدبية.
ولعل كتابها «Nox» يقدم أحد أكثر الأمثلة دلالة على هذا المنحى. فالكتاب انطلق من تجربة شخصية مرتبطة بفقد شقيقها، لكنه لم يتحول إلى سيرة حزينة تقليدية، بل إلى تركيب بصري ولغوي يجمع الذكريات والصور والرسائل والترجمة والشذرات. هنا يصبح الحزن نفسه شكلًا من أشكال الكتابة، وتتحول الذاكرة إلى أرشيف ناقص يحاول الأدب إعادة بنائه.
اختيار كارسون يثير أيضًا السؤال المتكرر حول السياسة في جائزة نوبل. ففي كل سنة تقريبًا تظهر تأويلات تبحث خلف اسم الفائز عن الرسالة الجيوسياسية أو الثقافية التي قد تريد الأكاديمية إرسالها. غير أن تجربة كارسون تتيح قراءة مختلفة؛ إذ يصعب اختزال فوزها في موقف سياسي أو ظرف دولي. مشروعها في جوهره أدبي وجمالي وفلسفي، وإن كان مثل كل أدب كبير يحمل بالضرورة أسئلة عن الإنسان والمجتمع والسلطة والجسد والتاريخ.
الأهم أن فوزها يعيد إلى الواجهة فكرة قديمة لكنها ملحة: الجائزة لا تذهب دائمًا إلى الكاتب الأكثر انتشارًا، ولا إلى صاحب أعلى المبيعات، بل قد تذهب إلى من غيّر ببطء شكل الكتابة نفسها. ومن هذا المنظور تبدو كارسون مثالًا واضحًا على الأدب الذي يراكم تأثيره بعيدًا عن الضجيج التجاري، ثم يظهر بعد عقود بوصفه تجربة لا يمكن تجاهلها.
نوبل التي ذهبت إلى آن كارسون تبدو في النهاية جائزة لمشروع كامل أكثر منها مكافأة لكتاب بعينه. إنها اعتراف بكاتبة جعلت من الحدود الأدبية منطقة للعب والاختبار، ومن الأسطورة مادة معاصرة، ومن الترجمة فعلًا شعريًا، ومن الذاكرة فضاء لإعادة اختراع اللغة.
بهذا المعنى، لا يكمن السؤال الحقيقي في سبب فوز آن كارسون وحدها، بل في ما تقوله الجائزة عن الأدب الذي تريد نوبل الاحتفاء به اليوم: أدب لا يطمئن إلى القوالب، ولا يعيد إنتاج الأشكال الموروثة، بل يبحث باستمرار عن لغة جديدة ليقول بها الأسئلة القديمة التي لم يجد الإنسان لها جوابًا نهائيًا.
—
