من أفضال المفكر محمد سبيلا على الفلسفة والسياسة

بقلم: جليل طليمات

تحل اليوم، التاسع عشر يوليوز، الذكرى الخامسة لرحيل علم من أعلام الفكر الفلسفي في المغرب وخارجه، وأستاذ أجيال من الباحثين في الفكر الفلسفي المعاصر والعلوم الاجتماعية، المفكر محمد سبيلا. إنها مناسبة لاستحضار ما أسداه الراحل محمد سبيلا من عطاء معرفي أثرى الفكر الفلسفي المغربي، خاصة في مجال نشر وتدريس وترجمة نصوص فلاسفة وتيارات الحداثة الفلسفية، حيث جال في أروقتها الفكرية عبر التاريخ، وفي “جغرافيتها”، معرفًا بمساراتها ومفاهيمها المؤسسة لها، ومحللًا علاقتها المعقدة بالتقليد في مجتمعات التأخر التاريخي، بغاية تقريبها من القراء، ورفع ما يحيط بها، و”بما بعدها”، من غموض والتباس.

سيظل الدرس الفلسفي المغربي يدين للراحل محمد سبيلا بالكثير من الأفضال عليه، من بينها فتحه درس الفلسفة في الجامعة على مكتسبات الفكر الحديث، وعلى الفلسفة المعاصرة بمختلف مدارسها وتياراتها، وتغذيته للدرس الفلسفي في التعليم الثانوي بترجماته لنصوص فلسفية معاصرة ذات علاقة بمفاهيم المجزوءات المقررة في مادة الفلسفة بهذا السلك التعليمي، ومساهمته في تأليف كتب مدرسية متميزة لمستوى الباكالوريا. هذا، إضافة إلى حضوره المواظب في جل الندوات الفكرية والبيداغوجية لجمعية مدرسي الفلسفة.

لقد كان المفكر الراحل سبيلا يعتبر درس الفلسفة مكسبًا نوعيًا في المنظومة التربوية المغربية ينبغي تعزيزه، باعتباره مدخلًا رئيسًا من مداخل التحديث الفكري في مواجهة تيارات التقليد والفكر النكوصي. ولأجل ذلك، لم يتوقف عن الدعوة والعمل على إرساء جسر بين درس الفلسفة في الثانوي وبينه في الجامعة، بهدف تحقيق تكوين متكامل ومتناسق لخريجي شعبة الفلسفة من أساتذة وباحثين جامعيين. كان ذلك هاجسه، كأحد رواد تدريس الفلسفة، ترجمه إلى فعل متواصل، تأطيري، وتنويري إشعاعي، وتأليفي لا ينضب، ما جعل منه، عن جدارة، رمزًا من رموز الدرس الفلسفي المغربي الذين ساهموا في تعزيز مكانة الفلسفة في البرامج والمناهج الدراسية بمختلف الأسلاك، في وجه ما تعرضت له لسنوات طويلة من ابتذال معرفي، وتهميش مؤسسي، وتنمر نكوصي رجعي.

إن اهتمام المفكر محمد سبيلا بالحداثة كمنظومة فكرية وفلسفية نابع من وعي حاد بواقع التأخر التاريخي لمجتمعنا، وبعوائق تحديثه ونهضته. فباعتباره مثقفًا متشبعًا بفلسفة الحداثة، وإطارًا حزبيًا تقدميًا خبر النضال السياسي خلال حقبة الستينيات الملتهبة بصراعاتها حول الشرعية السياسية، ارتفع بنظره النقدي لمخاضات بناء الدولة الوطنية الحديثة إلى ما هو أبعد وأعمق من كونه صراعًا سياسيًا حول السلطة. فالأمر، عنده، يتعلق بإشكالية الانتقال من منظومة ثقافية ذات نواة تقليدية صلبة إلى الحداثة الفكرية والسياسية. يصوغ سبيلا هذه الإشكالية في سؤال “تراجيدي”: “كيف يمكن أن نكسب الحداثة دون أن نخسر أنفسنا؟ كيف نكسب العالم دون أن نخسر ذواتنا؟ هذا رهان أتحدث عنه بلغة التراجيديا والتمزق والكآبة، لأننا نعيشه في كل لحظة من لحظات حياتنا.” (الحداثة وما بعد الحداثة، ص 70)..

وعلى الرغم من انشغال محمد سبيلا الفلسفي بهذه الإشكالية الحضارية، “الوجودية”، وبما يفرضه “زمن العولمة” (عنوان كتاب له)، والتقنية، و”صدمة الإنسانية الانتقالية”… إلخ، من تحديات أمام الإنسانية، ومشكلات سياسية واجتماعية وأخلاقية، وعلى الرغم، كذلك، من مرارة تجربته في العمل الحزبي، بقي، طيلة مساره الفكري، شديد الارتباط بالحقل السياسي وتحولاته، محللًا مفارقاته، ومنتقدًا ظواهره السلبية التي أفرزها بفعل ما حدث بالتدريج من انفصال بين الثقافي والإيديولوجي وبين السياسي الحزبي. لقد أصبحت السياسة عنده موضوعًا للتفكير والتحليل والتشريح لظواهرها السلبية والمرضية، من أجل الكشف عما تنطوي عليه، خطابًا وممارسة، من “مكر وخفاء ودهاء”، وبدافع عقلنة الممارسة السياسية، ودمقرطة الحياة الحزبية بإرسائها على النقد والنقد الذاتي والمحاسبة، لأنه، كما كتب: “لم يعد يكفي أن يرفع المناضل شعاراتنا، وأن يكرر تحليلاتنا ومقولاتنا، وأن يعلن انتماءه لنا، حتى يصبح ملاكًا طاهرًا منزهًا عن الخطأ والشهوات.” (كتاب *للسياسة، بالسياسة، في التشريح السياسي، إفريقيا الشرق، ص2، ص 14).

في رحيل المفكر النقدي والمناضل التقدمي محمد سبيلا خسارة للحقلين الفكري والسياسي معًا، ففيهما معًا كان له حضور متفرد، فاعل، مؤثر، ومؤطر للوعي والممارسة. لكنه، وككل الكبار الذين بصموا عصورهم بعطاءاتهم الرائدة في مجالات الفكر والعلوم والسياسة والإبداع، سيبقى حاضرًا في غيابه، وملهمًا دائمًا وأبدًا.

Exit mobile version