بقلم: عبد الرفيع حمضي
انتهى عيد الأضحى، وعادت الحياة إلى إيقاعها المعتاد. اختفت المواشي وأسواقها المؤقتة، وخفت حركة الشاحنات ، وعادت الأحياء إلى هدوئها النسبي. لكن بعيدا عن أجواء العيد ومشاعره الدينية والاجتماعية، يبقى السؤال ،هل عيد الأضحى مجرد شعيرة دينية موسمية، أم قضية من قضايا السياسات العمومية؟
في بلادنا ، يصعب العثور على حدث آخر يحرك، خلال أسابيع قليلة، هذا الحجم من الموارد البشرية والمالية واللوجستيكية. ملايين المواطنين يتوجهون إلى الأسواق، وملايين رؤوس الماشية تنتقل بين الجهات، ومئات الآلاف من الفاعلين الاقتصاديين ينخرطون في دورة اقتصادية ضخمة تشمل التربية والنقل والأعلاف والتسويق والبيع والخدمات البيطرية. ثم يأتي يوم العيد لتبدأ عملية أخرى لا تقل تعقيدا تتعلق بالذبح والتخزين والنظافة وتدبير المخلفات.
عندما نتحدث عن تسعة ملايين رأس من الأغنام والماعز، فإننا لا نتحدث فقط عن أضاحي. نحن نتحدث عن منظومة اقتصادية واجتماعية وصحية وبيئية كاملة. ولذلك لم يعد السؤال مرتبطا فقط بمدى توفر الأضاحي أو بأسعارها، بل أصبح مرتبطا أيضا بكيفية تدبير هذه المنظومة في ظل الجفاف، وتراجع القطيع الوطني، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وتزايد الضغوط على الموارد الطبيعية.
ولم يعد خافيا أن الادارة أصبحت طرفا رئيسيا في هذا الملف. فقد تدخلت خلال السنوات الأخيرة عبر برامج الدعم والإعفاءات الجمركية والضريبية وتسهيل عمليات الاستيراد من أجل الحفاظ على توازن السوق وضمان وفرة العرض. كما أثارت بعض التقديرات والنقاشات العمومية حديثا واسعا حول حجم الأموال العمومية التي ضخت بشكل مباشر أو غير مباشر لدعم قطاع الماشية واللحوم الحمراء. وبغض النظر عن الأرقام المتداولة وحجم الجدل الذي رافقها، فإن المؤكد هو أن ملف الأضاحي لم يعد شأنا فرديا أو موسميا، بل أصبح ملفا وطنيا تتداخل فيه اعتبارات الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي والتوازنات الاقتصادية.
وإذا كانت الدولة تدعم، وتراقب، وتستورد، وتواكب، فمن الطبيعي أن نطرح سؤال الحكامة. فمن يدبر الرؤية الاستراتيجية لهذا القطاع؟ ومن يجمع المعطيات المتفرقة بين الفلاحة والبيطرة والبيئة والجماعات الترابية والأسواق والفاعلين الاقتصاديين؟ ومن يفكر في مستقبل العيد في ظل التغيرات المناخية التي أصبحت تمثل التحدي الأكبر أمام الثروة الحيوانية؟
بعض الدول الإسلامية واجهت هذه الأسئلة مبكرا. ففي المملكة العربية السعودية تم تطوير منظومة متكاملة لتدبير الهدي خلال موسم الحج، تشمل المراقبة الصحية والذبح والتبريد والتوزيع والاستفادة من اللحوم وفق معايير دقيقة.وفي تركيا انتقلت السلطات تدريجيا من الذبح العشوائي داخل الأحياء إلى فضاءات ومجازر مؤطرة تخضع لمعايير صحية وبيئية صارمة. أما إندونيسيا، التي تضم أكبر عدد من المسلمين في العالم، فقد اتجهت نحو استعمال الأنظمة الرقمية لتتبع الأضاحي وتحسين مراقبة جودتها وتنظيم توزيعها.
لا يتعلق الأمر باستنساخ هذه التجارب، فلكل بلد خصوصياته. لكن القاسم المشترك بينها هو اعتبار الأضحية ملفا يحتاج إلى التخطيط والتنسيق والاستشراف، وليس مجرد مناسبة موسمية عابرة.
ومن هنا يمكن التفكير في فكرة قد تبدو جديدة اليوم، لكنها قد تصبح ضرورية غدا: إحداث “مؤسسة مغرب عيد”.Fondation Maroc Eid
وهي ليست مؤسسة دينية تشرف على الشعيرة أو تتدخل في أحكامها، بل مؤسسة وطنية تعنى بكل ما يحيط بها من رهانات. مؤسسة تجمع المعطيات والدراسات، وتنسق بين مختلف المتدخلين، وتواكب تطور القطيع الوطني، وتقترح الحلول المرتبطة بالاستدامة البيئية والسلامة الصحية، وتستشرف حاجيات السوق، وتساهم في بناء رؤية وطنية طويلة المدى حول مستقبل الأضحية في المغرب.
قد يكون الاسم افتراضيا اليوم، وقد يكون النقاش سابقا لأوانه في نظر البعض. لكن المؤكد أن عيد الأضحى لم يعد مجرد مناسبة دينية ضمن الروزنامة السنوية. لقد أصبح حدثا وطنيا متعدد الأبعاد، تتقاطع فيه قضايا الدين والاقتصاد والبيئة والصحة والتنمية.
وبين ما يقال وما لا يقال… فإن المجتمعات الناجحة ليست تلك التي تتخلى عن تقاليدها، بل تلك التي تعرف كيف تطورها وتحسن تدبيرها كلما تغير الزمن.
